وقال ابن تيمية:"المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى علم الحديث، كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب وغير نحو العرب، ونرجع إلى علماء اللغة، فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك فلكل علم رجال يعرفون به، والعلماء بالحديث أجل قدرًا من هؤلاء وأعظمهم صدقًا، وأعلاهم منزلة وأكثر دينًا وهم من أعظم الناس صدقًا وأمانة وعلمًا وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل".
فعلى هذا يجب التحري في كل حديث حتى تتبين حاله. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (1) .
ومن المعلوم أن حجة الله عز وجل على عباده إنما هي الكتاب والسنة لا غير، إلا اللهم ما استنبطه العلماء منهما: فالقرآن تكفل الله عز وجل بحفظه كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2) .
وأما السنة المطهرة فلم يتكفل بحفظها كالقرآن لحكمة يعلمها، ولهذا قد أدخل فيها ما لم يكن منها، فالاعتماد عليها مطلقًا، ونشرها دون تمييز أو تحقيق يؤدي حتمًا إلى تشريع ما لم يأذن به الله. وفاعل ذلك قد لا يسلم من الوقوع في المحظور الذي هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيض الله عز وجل للأمة رجالًا أمناء، يقظين، مخلصين، قاوموا الوضاعين وتتبعوهم، ومازوا الغثه من السمن، ولولا الجهود المضنية التي بذلها الصحابة، والتابعون وعلماء الأمة من بعدهم لاشتبه على كثيرين من الناس بعض أمور دينهم لكثرة ما اختلقه من الكذب الوضاعون، ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا.
فصانوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أن يكون مطية لأهل الأهواء.