فهرس الكتاب

الصفحة 19026 من 23804

وأَقْدِر لمكة المكرمة بلدًا يَسكُن حبها نفوسَ المسلمين، ولكن لا يسكنها إلاّ من سكنت إليها نفسه، واطمأنت بالإيمان غالبًا. ومزاجها من السكان خليط، ومن العادات مختلف وجديد. يكاد لا يجمع بينهم من الروابط والعادات الاجتماعية إلاّ رابط التعلق ببيت الله الحرام، والتقرب إلى الله فيه.

تحسبهم جميعًا وفق ما ينبغي من تقوى لله، وورع، والتزام يليق بالجوار والجار، عظمة، وحُرمة، غير أنَّها بلد لم تُحصَّن - كغيرها - ضد الشيطان وجنده، فهم يجوبون طرقها، وأنديتها، ويستحوذون على بعض أفئدة سكانها بما يُزَيِّنونه من مسائل، ووسائل تغوي السفهاء، فتكاد المعاصي فيها من مرتكبيها تتشابه بالمعاصي في غيرها من المدن الأخرى.

ولكن يبقى للمسجد الحرام في مكة المكرمة ما يُميزه عن أي بقعة من بقاع الأرض، ذلك هو مؤاخذة من أراد فيه الإلحاد والظلم، - مجرد الإرادة -، بعذاب أليم، وفي غيره يستوجب الفاعل لهما العقوبة بمباشرته الحدث ووقوعه منه فعلًا وقصدًا، لا بمجرد أن يهمَّ بذلك همًا دون الإلمام به، ولا تخلو نفس بشرية - إلاّ من رحم - من الهمِّ بفعل يعتبره الشارع معصية يستحق فاعلها عقوبة في الدنيا أو في الآخرة إذا تحقق فعلها منه، وفي الحديث عن ابن عباس يرفعه:"ما مِنْ أَحدٍ مِنْ وَلَدِ آدم ألاّ قد أَخْطأ أو همَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا" [7] .

وخواطر الإنسان، وأفكاره، وهواجسه لا تقف عند قَدْرٍ، ولا تحدها حدود، فلا يشعر الإنسان إلاّ وقد حلَّقت به أفكاره بعيدًا عن مكان وجود بدنه، ويتصور، ويتخيل شتى الصور والخيالات، المألوفة، وغير المألوفة، المباحة، وغير المباحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت