فهرس الكتاب
وهو ما يدل على أن هذه البقعة من الأرض محرمة عند الله منذ خلق السموات والأرض، فكان من الأسباب والمسببات بعد ذلك ما جعل من تلك البقعة المباركة موضعًا لبيته الحرام: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدىً للعالمين…} [آل عمران/96] .
ثم أن الله تبارك وتعالى جعل البيت موضعًا يُرجع إليه مرة بعد أخرى قال جلّ ذكره: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا…} [البقرة/125] .
و (ثاب) الناس: اجتمعوا، وجاءوا [61] .
وشعر كل من جاور المسجد الحرام - أو هكذا يجب أن يكون - بحرمته، وعظمته، ورضي العيش بمكة - قرية المسجد الحرام - كل من عايش في نفسه حب الخير، وكراهة المعصية، وكان للعبادة في حياته الجانب الأهم.
ومنهم من أخذ على نفسه ترويضها على الطاعة، متأثرًا بمن حوله في المجتمع، فأصبح الطابع المميز لأكثر سكان مكة المكرمة الرغبة في الطاعة، والإستزادة من فعل الخيرات، مما أكسبهم محبة غيرهم من الوافدين عليهم، أو بلغته أخبارهم، فأصبح مجتمع مكة مجتمعًا آمنًا كما قال تعالى ممتنا، ومُبكِّتًا لبعض أهله الذين كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم حينذاك، معللين ذلك بخوفهم من جيرانهم اليهود والنصارى أن يتخطفوهم إذا آمنوا، واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمنعوا عنهم تجارتهم. وهي حجة واهية فالأمن لجيران المسجد الحرام أمر واقع، وملموس منذ عهد إبراهيم عليه السلام، وكان محفوظًا بحفظ الله له رغم ما أدخله بعض العرب فيه من عبادة الأوثان، فهل يأمنون وهم مشركون، ويخافون إذا هم آمنوا؟!
إنها دعوى باطلة، قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص/57] .