فهرس الكتاب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في معنى هذا الحديث:"المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافئه، ونعمُهُ لا تدوم عليك، بل لا بدّ أن يودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، والله عز وجل لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمَه، فإنّه هو أغنى وأقنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عين". اهـ.
وفيه بيانٌ لعظم دلالات الأدعية المأثورة والأذكار الثابتة وعمق معانيها وسلامتها من الخطأ الذي قد يعتري ما سواها، وبهذا تكون السلامةُ وتحصيل الكامل.
فالحمد لله بمحامده التي حمد بها نفسه، وحمده بها الذين اصطفى من خلقه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحب ربّنا ويرضى.
المطلب الخامس: تعريفُ الحمد، وبيان الفرق بينه وبين الشكر
الحمد في اللغة نقيض الذمِّ، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:"الحاء والميم والدال كلمةٌ واحدة وأصلٌ واحد يدل على خلاف الذمّ، يُقال: حمدتُ فلانًا أحمده، ورجلٌ محمودٌ ومحمدٌ إذا كثرت خصالُه المحمودة غير المذمومة. ولهذا الذي ذكرناه سُمِّيَ نبيّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم". اهـ.
وقال الليث: أحمدت الرجل وجدته محمودًا، وكذلك قال غيرُه: يُقال أتينا فلانًا فأحمدناه وأذممناه أي: وجدناه محمودًا أو مذمومًا.
وقوله - تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} فيه تنبيه على أنّه - صلوات الله وسلامه عليه - محمود في أخلاقه وأفعاله ليس فيه ما يُذمّ، وكذلك قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ} فمحمّدٌ ههنا وإن كان اسمًا له عَلَمًا عليه ففيه إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بوافر معناه، وأما سواه فقد يُسمَّى بذلك ويكون له حظ من الوصف الذي دلّ عليه هذا الاسم وقد لا يكون، أما الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - فهو محمّدٌ اسمًا ووصفًا.