فهرس الكتاب

الصفحة 21300 من 23804

وبه يتبيّن أن بين الحمد والشكر عمومًا وخصوصًا من وجه، فيجتمعان فيما إذا كان باللسان في مقابلة نعمة، فهذا يُسمَّى حمدًا ويُسمَّى شكرًا، وينفرد الحمد فيما إذا أثنى العبد على ربّه بذكر أسمائه الحسنى ونعوته العظيمة فهذا يُسمَّى حمدًا، ولا يُسمَّى شكرًا، وينفرد الشكر فيما إذا استعمل العبد نعمة الله في طاعة الله فهذا يُسمى شكرًا ولا يُسمَّى حمدًا.

إنَّ حمدَ الله هو الثناءُ على الله بذكر صفاته العظيمة ونعمِه العميمة مع حبّه وتعظيمه وإجلاله، وهو مختصٌّ به - سبحانه - لا يكون إلاّ له، فالحمد كلّه لله رب العالمين؛"ولذلك قال - سبحانه: {الحَمْدُ للهِ} بلام الجنس المفيدة للاستغراق، فالحمد كلُّه له إمّا ملكًا وإما استحقاقًا، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له وحمدُ بعضهم لبعض ملكٌ له ... فالقائل إذا قال: الحمد لله تضمّن كلامه الخبر عن كلِّ ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيطٍ متضمّنٍ لكلّ فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدَّرة، وذلك يستلزم إثبات كلِّ كمال يُحمد عليه الربُّ تعالى؛ ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد".

وإذا قيل: الحمد كلّه لله، فإنَّ هذا له معنيان:

أحدهما: أنّه محمودٌ على كلِّ شيء، وهو ما يُحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده - تبارك وتعالى -، بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات، وما نالوه من الحمد فإنّما نالوه بحمده، فهو المحمود أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.

والمعنى الثاني: أن يُقال: لك الحمد كلّه؛ أي: التامّ الكامل هذا مختصٌّ بالله ليس لغيره فيه شركه.

قال ابن القيّم - رحمه الله - بعد أن ذكر هذين المعنيين:"والتحقيق أنَّ له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عمومُ الحمد وكمالُه، وهذا من خصائصه - سبحانه -، فهو المحمود على كلِّ حال، وعلى كلِّ شيء أكمل حمد وأعظمه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت