وذلك أنه معنى واقع محسوس يصدقه كل سامع، وأول ما يصدقه واقعة الشاعر نفسه فطابقت هذه الكلمة حاله مطابقة جيدة.
ومنه أيضًا دعاؤه للنابغة لما أنشد قوله:
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له
حليم إذا أورد الأمر أصدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
قال:"أحسنت لا يفضض الله فاك"، على حين أنه صلى الله عليه وسلم استنكر قبل ذلك بقليل أبياتًا من القصيدة كما سبق، فذلك منه صلى الله عليه وسلم دقة في النظر في الشعر والتفريق بين معانيه وعباراته وتحريض في نفس الوقت للشعراء أن يحرصوا على اختيار المعاني الجيِّدة السامية الصادقة في شعرهم، وأن يحترسوا من التورط في المعاني المردودة الفاسدة أو المبالغات القبيحة.. ومواقفه صلى الله عليه وسلم كلها من الشعر والشعراء تدل على تذوقه لمعانيه وفهمه العميق لمراميه، فهو يقبل بعضًا ويرد بعضًا ويؤثر فيه الشعر حتى يشفعه ويرق لصاحبه ويقبل عليه، بل ويكافئه كما فعل بكعب بن زهير..
هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم يدرك بنظره الثاقب مدى خطورة دَوْر الشعر وأهميته في ميدان دعوته ورسالته فالعرب أمة شاعرة تعظم الشعر.
ولذلك اتخذ صلى الله عليه وسلم الشعر سلاحًا يرد به خطر الحرب الكلامية التي أعلنها عليه شعراء قريش وفطاحل البيان فيها. فكان من شعرائه الذين ينافحون عنه حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي لا يخفى بلاؤه في هذه الحرب على أحد وكيف كانت أبياته تقض مضجع القريشيين.. وقد سبق في هذا البحث أن عبد الله بن الزبعرى لما هرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران قال فيه حسان:
نجران في عيش أجذ لئيم
لا تعدمن رجلًا أحلك بغضه
فما كاد هذا البيت يبلغ ابن الزبعرى رضي الله عنه حتى فعل فعله بنفسه فجاء يسعى إلى رسول الله ويعتذر له عما سلف ثم أسلم ...