وغرق الثلاثة ومعهم كرز بن علقمة في غمرة من الصمت، كادت تذهلهم عن لغو القافلة من حولهم، وكان كرز أكثرهم تلفتًا إلى معالم المدينة، فكأنما يودع فيها شيئًا عزيزًا أحبه.. حتى إذا أوشكت تغيب عن بصره وقف ناقته، ثم توجه إلى أخيه الأسقف الساهم الوجه، الغائر العينين، يخاطبه وصاحبيه بقوله:"إنكم لأعزة والله علي.. ولكن الحق الذي آمنت به قلوبكم أحب ألي من صحبتكم.. فامضوا حيث شئتم، وتشبثوا بما رغبتم، أمّا أنا فلن أوثر على الحق وعلى مرضاة الحق أي شيء..".
وضرب وجه ناقته لتأخذ سبيلها باتجاه المدينة.. وفي غبطة روحية لا عهد لكرز بمثلها من قبل جعل ينشد مناجيًا - من وراء الغيب - ذاك النبي العربي الذي أحبه أكثر من حبه لنفسه وأهله وماله:
معترضًا في بطنها جنينها
إليك يعدو قلقًا وضيتها
مخالفًا دين النصارى دينها