ما طلبت إليهم يومًا أن يصموا آذانهم والمؤذن يدعوهم إلى الصلاة، ولا سألتهم ذات ليلة أن يفروا من بيوتهم تاركين زوجاتهم وذريتهم للوحشة والقلق والضياع والعبث … بل كثيرًا ما مرّت بي ساعات غضب هممت فيها أن أقذف بالمقاعد ومن هم عليها قعود إلى عرض الشارع، ولا أزال أذكر حتى اليوم ساعة جلس أربعة على شرفة من شرفاتي يطاردون بأبصارهم كل عابر للشارع وعابرة، وفجأة سمعتهم يهتفون بزميل لهم جاء من بعيد، قال له قائل منهم: ما شرّفت (القهوة) هذا الصباح كما اعتدت في أيام العطل! فرد عليه زميل ثانٍ: أنسيت أن صاحبنا قد (تمشيخ) وأن هذا اليوم هو يوم الجمعة؟!، وإذا بثالثهم يواصل التهكم ويقول: وطبعًا أمضى هذا الصباح يغتسل، ويتطيب، ويرتدي (بدلته) النظيفة المكوية، ويبكر إلى المسجد، ليقرأ القرآن، ويسمع الخطبة، ويشهد الصلاة، و. . . .، ولكن زميلهم هذا (المتمشيخ) لم ينتظر أكثر من هذا، فألقى عليهم نظرات زارية، وتولى عنهم دون أن ينبس ببنت شفة، وانتبذ منهم مكانًا قصيًا، وأخذ يمتع نظره بما في الشارع من حياة وحركة، أو يردد بصره في صفحات كتاب كان يحمله، ولما أن سمع المؤذن يدعو لصلاة المغرب أجاب حثيث الخطا.
أما زملاؤه الذين كانوا منه يسخرون، فقد هاجت فيهم ذكريات قديمة:
قال الأول: أما أنا فقد عرفت الصلاة في البيت، وعرفتها في المسجد، وعرفتها في المدرسة إلى أن صرت طالبًا في المرحلة الثانوية، وحينئذ بدأت ألاحظ أن مدرسينا لا يصلون إلا قليلًا، وأن مدرسي الدين يدرسون الدين بسبب من الوظيفة والتخصص، لا بسبب من الإخلاص للعقيدة، فأخذ الحرص عليها يتلاشى شيئًا فشيئًا حتى لم يبق منه شيء.