ولا بد للمدرس الناجح أن يكون كثير القراءة واسع الاطلاع، ومن المؤسف حقًا أن كثيرًا من المدرسين لا يقرءون، مكتفين بما قرءوه أيام كانوا طلابًا في الجامعة أو دور المعلمين، والمدرس الذي لا يقرأ إنما هو مدرس يموت عقله يومًا بعد يوم، ويموت علمه مسألة بعد مسألة، ولن يمضي عليه طويل وقت حتى يصبح في مستوى طلابه، لا يعرف أكثر مما في الكتاب المقرر، وربما كان بعض طلابه الأذكياء ذوي قراءات خاصة وحسن اطلاع، فيكونون أكثر منه علمًا وأوسع منه معرفة، وقد يوقعونه في مآزق لا يدري كيف تكون فيها النجاة، ويسوقونه إلى مواقف علمية حرجة تسقط فيها هيبته ومكانته وراية القيادة من يده.
ولا ينبغي للمدرس أن يقتصر قراءته واطلاعه على مادة اختصاصه، وما يتصل بمهنته، فإنه إن فعل هذا ظل أفقه ضيقًا، وتفكيره محدودًا، على الرغم من أنه قد يكون واسع الاطلاع عميقًا في مادة اختصاصه.
إن عصرنا هذا يموج بأنواع العلوم والثقافة، فينبغي أن يلم المدرس بأطراف نافعة صالحة منها، ما اتسع له الوقت وأسعفه الجهد، وأن يرشد طلابه إلى كل نافع مفيد، وكلما شعر الطلاب أن مدرسهم أوسع منهم علمًا، وأكثر منهم اطلاعًا، وأعمق منهم تفكيرًا، ازدادوا ثقة فيه، ورغبة في الاستماع إليه، وتأثرًا بما يقول، واقتداء بما يعمل.
ولا بد للمدرس الناجح من صحة جيدة تمكنه من القيام بواجبه على أفضل وجه، فيستطيع أن يشرح ويناقش دون أن تبح حنجرته وتنهج رئتاه، ويستطيع أن يظل واقفًا في حصصه مشرفًا على طلابه دون أن تنوء به ساقاه، ويستطيع أن يحضر دروسه اليومية في البيت قبيل أن يأخذه النعاس ويستولي عليه التعب.
والصحة سبب من أسباب النشاط، ودعامة قوية من دعائمه، ولكنها لا تستلزمه ولا تستوجبه، فلدى بعض المدرسين صحة جيدة، ولكن الكسل طبيعة فيهم وخلق، ولدى بعض المدرسين شيخوخة سن ووهن عظام، ولكنهم يأبون على أنفسهم القعود عن الواجب والإخلاد إلى الأرض.