وبعد ثلاثة عشر عامًا قضتها الدعوة الإسلامية في معارك صاخبة مع الوثنية في مكة هاجرت إلى المدينة لتتخذ منها قاعدة للانطلاق بعيدة عن تحدي الوثنية وظلمها غير أنها انتقلت من ميدان الوثنية لتلاقي في المدينة عدوًا جديدًا تمثل في اليهودية المنحرفة التي وقف أصحابها يرقبون لعل العرب يأكل بعضهم بعضًا، فلما قويت شوكة المسلمين بعد بدر اشتد قلقهم، وحينما هزموا في أُحد دبروا إيقاع الفتنة بين المسلمين فقالوا لهم: ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم؟ فارجعوا إلى دينكم فهو خير لكم فأنزل الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} .
واشتدت عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم حينما تحولت قبلة المسلمين عن بيت المقدس إلى البيت الحرام فراحوا يتساءلون: {مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ؟.
ولم ينم تدبيرهم عن فتنة المسلمين وتشكيكهم في دينهم فدعوا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباع دينهم وكشف الله موقفهم في قوله: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} .
وتواطأ بعض اليهود فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدًا ليس بذلك النبي وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه، فإذا فعلتم شكّ أصحابه في دينه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم فأخبر الله نبيه بالمكيدة وأنزل: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .