الثاني: السلامة من عالم النفاق والنجاة من غدره الذي قد يكون غنيمة لمن يعطى الإسلام بأساليب هوجاء لا تزيد عن كونها فكرة تقال في مناسبة وكفى ـ وأنا أعتقد أن الأسلوب الذي كان دافعًا لوجود النفاق في العصر الأول للإسلام، مباين كل المباينة للأساليب التي قد تكون دافعًا لوجود النفاق في عصرنا هذا وهي كثيرة، إنما أخص منها ما أريده في هذه الكلمة الموجزة ـ ذلك أن النفاق في العصر الأول كان الدافع لوجوده، إنما هو قوة الإسلام في أدائه ودقة منهجه وبروز شخصيته الفعالة، فكان من الواضح أن ترى طائفة قليلة في المدينة الخطر يحيط بها من هذا السَّيْل الإسلامي الذي يعلو ولا يعلى عليه، فدافعت عن نفسها بأن اعتنقت الإسلام ظاهرًا لا باطنًا، ومع هذا فلم تلبث هذه الطائفة كثيرًا حتى نبش القرآن المعجز قلوبها السوداء، وأظهرها على سطح بحر الكفر طافحة، وظلت في هوانها، حتى اندثرت سريعًا بين المد والجزر الإسلامي، فلم يكن لها مفعول وبقي الإسلام عالي الصوت قوي العواصف تجول راياته في الخافقين.
أما العامل لوجود النفاق في عصرنا هذا من دوافعه، أداء الإسلام بأساليب غير منهجية ضعيفة لا تحمل حقيقة حية ترغب وتلقى عبثًا ومسئولية على مُعْتَنقيه فكان من السهل جدًا اعتناق هذا الإسلام مع بقاء إنسان العصر على ماديته وجاهليته فذلك النفاق الذي لا يرجى موته ولا تطول مدة الإسلام معه، لأنه هو الغلاب، إذ قدم صاحبه إليه ظنًا منه أن هذا الدين لا يكلفه غير أن يسجل اسمه في سجله ليزيد ستمائة مليون مسلم وكفى، بلا تغيير في حياته، بينما لو علم حقيقة الإسلام لم يقدم إليه إلا راغبًا وعاملًا.