ولما رجع عمير إلى قومه بعد قتل عصماء وجد بنيها وهم خمسة رجال في جماعة يدفنونها، فقال: أنا قتلتها، فكيدوني ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما قلت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم [24] .
وبعد إزالة هذه العقبة من طريق الدعوة وبتر هذا العضو الفاسد من المجتمع المدني، ظهر الإسلام في بني خطمة، واستعلن بإسلامه من كان يستخفي من مستضعفيهم، وأسلم يومئذ رجال لما رأوا عز الإسلام [25] …
وقد كانت هذه الخطوات التي خطاها المسلمون أمرًا لا بد منه في وقته وبحسب الظروف التي كانت تواجه الدعوة.
ب - المشركون والمنافقون:
لقد أستاء مشركو المدينة ومنافقوها لما سمعوا زيد بن حارثة - وهو على القصواء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم - يبشر بالفتح، ويعدد أسماء قتلى قريش، وبعض أسراها، وجعلوا يقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلًا، وقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد: قتل صاحبكم ومن معه، وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقًا لا يجتمعون فيه أبدًا… قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلا.
غير أن الموقف قد انجلى، إذ لم يمض طويل وقت حتى سبق الأسرى إلى المدينة وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم [26] ولما صدم المشركون بالحقيقة الواقعة التي لا تدفع، استكانوا، وصانعوا المسلمين، ونافق كثير منهم، فأظهروا الإسلام، وهؤلاء كانوا فريقين فريقًا بقوا على شركهم القديم، وفريقًا انحل بالكلية، فلم يبق على شركه، ولم يعتنق الإسلام إلا ظاهرًا، بل مضى في طريق الذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [27] (سورة النساء - 143)