ولقد لعبت العصبية القبلية دورًا خطيرًا في الخلاف الحاصل بين المكيين، كما كان لنجاة القافلة ووصولها إلى مكة سالمة أعظم الأمر في تثبيط همم الخارجين للقتال، حيث وجدوا أنفسهم أمام معركة لا مبرر لها، ولعلهم أيضًا لا يضمنون نتائجها، حتى أحسوا بأنهم إنما خرجوا يقاتلون عن قضية وهمية لا وجود لها، وهذا هو ما عبر عنه الأخنس بن شريق حين قال:"يا بني زهرة، قد نجّى الله لكم أموالكم، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا لي جانبها، وارجعوا, فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في ضيعة" [11] .
وكما كان ذلك رأي الأخنس فإنه رأى عتبة بن ربيعة حين قام خطيبًا - وقد وصلوا بدر - فقال:"يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين الرجل وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون" [12] .
ولم يرض أبو جهل بهذا الرأي، وأتاهم عتبة بالجبن والخوف على ولده الذي كان بين صفوف المسلمين وثار النزاع وتكلم بعضهم على بعض، وحدث الخلاف واستحكمت الفرقة.
وهكذا كانت الجبهة المكية خلاف في الرأي بين القواد، وخصومة ونزاع بين الجنود، وعدم وضوح للغاية والهدف عند الجميع.
والتقى الجمعان:
وفي يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة كانت المعركة الفاصلة حيث التقى الجمعان على الحال التي كانت عليها كل منهما، ولكن هل كان هناك تكافؤ في الفرص والعدد والعتاد؟ وذلك ما سأوضحه فيما يأتي:
أستطيع أن أؤكد أنه لم يكن هناك تكافؤ قط في شيء مما ذكر، بل كان هناك تفاوت وفرق هائل في كل شيء.