ولا بد أن يكون الحاج قد أدرك في نفسه الآثار الطيبة للرفقة الصالحة التي صحبها في سفره، وأدى معها مناسك حجه، وتعلم منها الكثير من المزايا السامية والصفات اللازمة للقيام بالواجب نحو الله تعالى والدعوة إليه، فمن آداب الحج ومستحباته أن يختار الحاج رفقة فاضلة الأخلاق طيبة المعشر عالمة بالأحكام راغبة في الخير كارهة للشر لتكون له عونًا على أداء نسكه على وجه ينال به الأجر، ويحظى بالقبول، وقد يتعلم منها أمور الدين والرفق وبين الجانب والإيثار والصبر على ما يطرأ عادة على المسافرين من غلظة، في الكلام وجفاء في الطباع وربما كانت سببًا في هدايته حالًا ومستقبلًا فكأنها فصل في مدرسة الحج الكبيرة. فإذا عاد إلى وطنه اجتهد في الانتماء إلى الجماعة المسلمة الصالحة الداعية إلى الله تعالى فيضع يده في أيديهم، ويضيف ما له وجهده وفكره إلى ما يبذلون في سبيل الله ودعوة الخلق إليه ويظل هكذا مثابرًا مرابطًا مجاهدًا مستمسكًا بهدي الله ومنهاجه، منصرفًا عن طريق الشيطان وزيغه واتباعه.
ثم على الحاج وقد انتهى من أداء حجه أن يعلم أن الجج بيعة ماضية في العنق إلى يوم القيامة.. إنه بايع الله عز وجل على ألا يشرك به شيئًا، وأن يطيعه ولا يعصيه أبدًا، ويطبق منهجه، ويدعو إليه.. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. ويقول الحق ولا تأخذه فيه لومة لائم.. سلمًا لأوليائه حربًا على أعدائه فلينظر من يبايع، ليصون بيعته، ويحفظ عهده، ولا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.