لكن إذا جاز ذلك"في مرحلة محدودة ولعلاج ظرف خاص، فإنه لا يصلح توجيهًا عامًا خالدًا لكل الناس في كل العصور والبيئات، فإن مطالبة الإنسان العادي بمحبة عدوه، ومباركة لاعنيه قد يكون شيئًا فوق ما يتحمله، ولهذا اكتفى الإسلام بمطالبته بالعدل مع عدوه {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [31] . كما أن إدارة الخد الأيسر لمن ضرب على الخد الأيمن أمر يشق على النفوس، بل يتعذر على كثير من الناس أن يفعلوه، وربما جرأ الفجرة الأشرار على الصالحين الأخيار، وقد يتعين في بعض الأحوال، ومع بعض الناس أن يعاقبوا بمثل ما اعتدوا، ولا يعفى عنهم فيتبجحوا ويزدادوا بغيًا وطغيانًا، ولهذا تجلت واقعية الإسلام حين شرع مقابلة السيئة بمثلها بلا حيف ولا عدوان فأقر بذلك مرتبة العدل، ودرء العدوان، ولكنه حث على العفو والصبر والمغفرة للمسيء، على أن يكون ذلك مكرمة يرغب فيها، لا فريضة يلزم بها [32] ، وهو واضح في مثل قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [33] ، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [34] ."
ثالثًا: الشرائع:
وشرائع الإسلام واقعية أيضًا، وحتى لا يطول بنا الحديث نكتفي بمثال واحد يتعلق بموقف الشريعة من شهوات الجسم والنفس..