فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 139

يصل من حين لآخر إلى علم دارس الفلسفة العربية في القرون الوسطى كيف أن أبا الوليد بن رشد قد أخذ على عاتقه مهمة تفسير مؤلفات أرسطو وشرح مذهبه بتكليف من الأمير أبى يعقوب يوسف (548هـ / 1153م) . والمغزى الأساسى لقصة التكليف هذه هو أن ابن رشد قد طلب منه بواسطة أميره الذي أظهر رغبة واضحة في دفع الشك الذي كان يحوم حول الفلسفة أن يفسر نصوص أرسطو بعبارة مستقيمة. وقد كان الدافع إلى هذا التكليف إحساس الأمير أبى يعقوب أن شروح أرسطو العربية السابقة غير وافية، بالإضافة إلى أن الترجمات العربية الأولى كانت مربكة بصورة تجعل من المستحيل على أى إنسان أن يصل إلى إدراك واضح لفكر أرسطو. وتوعز هذه القصة أيضا بالاحترام الكبير الذي يكنه الأمير لابن رشد باختياره دون غيره من العلماء المعاصرين للاضطلاع بهذه المهمة، على أن هناك قصدا آخر تتضمنه القصة لا يمكن إهماله أعنى بذلك الانتقاد الضمنى لأسلاف ابن رشد وعلى الأخص لاثنين من أعلامهم، وهما أبو نصر الفارابى وأبو على بن سينا. وقد كتب كلاهما بصورة شاملة في الموضوعات التي تناولتها كتب أرسطو، وبصرف النظر عما إذا كانت كتاباتهما ينبغى أن توصف كتفسيرات لأرسطو أم لا، فلا شك في أنها شروح لكتابات وأفكار أرسطو.

فقد كتب أبو نصر الفارابى مثلا عددا من الرسائل في صناعة المنطق بالإضافة إلى رسالة طويلة عن الصناعة كلها، وتشمل هذه الرسالة قسما عن كتاب المقولات لأرسطو [1] . ويستشهد أبو نصر كثيرا في مؤلفه هذا بأرسطو، ويحاول في بعض المواضع أن يشرح نص الكتاب أو يفرق بين ما يفهم على أنه المعنى اللائق لقول أرسطو وما يقول به المفسرون الآخرون عن معناه المناسب [2] . ومن هذه الناحية فإن نص أبى نصر يبدو كانه تفسير غير مترابط أو شرح إجمالى لكتاب المقولات لأرسطو. إلا أنه عند النظر لرسالة الفارابى ككل يصبح واضحا اختلافها عن نص كتاب المقولات لأرسطو بدرجة تبدو أنها لا تقدم مفهوما صحيحا لمن يريد أن يحصل على فكرة سليمة عما كان أرسطو يريد أن يقدمه من أفكار في كتاب المقولات. وهذا الحكم يصدق على المستوى الظاهرى بالإضافة إلى المستوى الخاص للقول ذاته. وعلى سبيل المثال فبالرغم من أن كتاب المقولات يحتل مكان الصدر لصناعة المنطق عند أرسطو، فإن الفارابى جعل كتاب المقولات هو القسم الرابع من رسائله في الصناعة. وقد قدم الفارابى لذلك بالقول في الأقاويل التي بها يسهل الشروع في صناعة المنطق وهى متضمنه في رسالتين، الأولى رسالة في صناعة المنطق وعلاقتها بالصنائع الأخرى، والثانية فحص عن معانى الألفاظ والاصطلاحات المستعملة في المنطق، وأيضا مختصر في كتابه

(1) انظر: أبو نصر الفارابى «كتاب قاطاغورياس أى المقولات» نشره دنلوب مع ترجمة إلى اللغة الانجليزية:

(2) انظر: المصدر السابق، فقرات 2، 13، 15، 16، 18، 22، 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت