وباختصار فإن هذا العمل يختلف عن عمل الأب بويج بأنه يحاول جاهدا أن يعرف القارئ بشكل ومضمون ما يقوله ابن رشد ويوفر الأدوات الجيدة للحكم على الاختلافات الجوهرية ذات المعنى بين المخطوطات. ولعل ذلك قد تحقق باستخدام منهج نقدى أكثر تبسيطا وأسهل استخداما. أما عمل ابن رشد
فى التلخيص فتظهره جليا تلك الفقرات المقسمة مع الإشارة إلى ما يناظرها في نص أرسطو، وأيضا تقسيم النص إلى فقرات مرقمة لكى تتضح خطوات ابن رشد بصورة أوضح. وحتى يتحاشى الشعور بفرض النفس على النص فقد التزمنا تقسيم النص إلى فقرات. وكانت كل فقرة تبدأ عند ما يغير ابن رشد موضوع المناقشة، أو عند ما يستخدم ضمير المتكلم كما في قوله «نقول» ، أو حين يذكر فقرة من نص أرسطو بقوله «قال» . وهناك اختلاف أكبر بين هذه النشرة ونشرة الأب بويج ألا وهو اعتمادها أساسا على مخطوطة فلورنزا وليس على مخطوطة ليدن، وهناك ثلاثة أسباب دعت إلى هذا التغيير.
فأول هذه الأسباب هو أن مخطوطة فلورنزا تبدو أقدم من مخطوطة ليدن.
وبرغم أن الاثنتين في حالة جيدة تماما ومكتوبتين بخط مغربى واضح، إلا أنهما تخلوان من تاريخ نسخهما. وبينما يمكن إرجاع تاريخ مخطوطة ليدن إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادى، إلا أنا اعتمادا على ما ورد في الصفحة الأولى من مخطوطة فلورنزا من تملكات استطعنا بعد الرجوع إلى كتب التراجم أن نحدد تاريخ نسخها بما قبل القرن الثامن الهجرى أى الرابع عشر الميلادى وهى الفترة الزمنية التي كان يعيش فيها بعض من تملكوا المخطوطة وقد كانوا من المشتغلين بالفلسفة الإسلامية في شمال افريقية حيث توفى ابن رشد.
وثانى هذه الأسباب هو أن تواريخ التأليف المثبتة في داخل النص توحى بأن المخطوطة التي نقلت عنها مخطوطة فلورنزا كانت إصدارة منقحة للمخطوطة التي
نقلت عنها مخطوطة ليدن، فقد ورد في خاتمة تلخيص الخطابة بمخطوطة فلورنزا «وكان الفراغ من تلخيص بقية هذه المقالة يوم الجمعة الخامس من المحرم عام أحد وسبعين وخمسمائة» أى في شهر يوليو 1175ميلادية، ولكن الفقرة المقابلة لها في مخطوطة ليدن هى «وكان الفراغ من تلخيص هذه المقالة يوم الجمعة الثالث من شعبان من عام سبعين وخمسمائة» أى في شهر فبراير 1175ميلادية، مما يدل على أن أصل مخطوطة فلورنزا ألف بعد أصل مخطوطة ليدن بقرابة نصف العام. وفى أكثر من موضع فإن فهم العلاقة بين المخطوطتين يساعد على فهم الاختلافات بينهما، كما أن دارس النص يستطيع أن يرى ابن رشد يحاول أن يجعل حواره واستنتاجه المنطقى أكثر إحكاما، كما أن هذا الفهم يفسر أيضا لماذا توفرت عناصر أسلوبية أفضل في التعبير لمخطوطة فلورنزا بطريقة عامة.