الفتوى كان قوله حجة.
فيقال من العجب أن يكون قول سعيد بن المسيب حجة وفعل أبي عبيدة بن الجراح غير حجة وأيضا، فإنتم في أحد القولين عندكم لا تجعلون قول الصحابي حجة فكيف يكون قول التابعي حجة، وأيضا، فإنتم لا توجبون اتباع سعيد بن المسيب في جميع ما يذهب إليه فكيف توجبون اتباعه في هذه المسألة، وأيضا فلو كان قول سعيد بن المسيب في هذه المسألة حجة أو كانت الحجة موافقة أهل عصره له كما يتوهمه المتوهم لما ساغ لمالك أن يقول: ولا نأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلل.
ولا يجب المحلل والظاهر أن هذا إشارة من مالك إلى نفسه وإلى علماء المدينة معه وأنهم أو جمهورهم لم يأخذوا بقوله في المحلل وقولكم يكفينا أن ثلاثة أركان الأمة عليه يريدون الشافعي وأبا حنيفة وأحمد فطرد هذا يوجب عليكم أن كل مسألة اتفق عليها ثلاثة من الأئمة وخالفهم الرابع أن تأخذوا فيها بقول الثلاثة لأنهم ثلاثة أركان الأمة وهذا يلزم أهل كل مذهب.
وكل هذه التلفيقات بمعزل عن البرهان الذي يطالب به كل من قال قولا في الدين وقد قال الله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} [النساء: 59] ، فأين أمر بالرد إلى ما ذكرتم ومن ذكرتم وقال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] ، فوقف الإيمان على تحكيمه وحده ولم يوقف الإيمان على تحكيم غيره ألبته.
وقولكم إن هذا قول الجمهور، فإن كان قول الجمهور في كل مسألة تنازع فيها العلماء هو الصواب وجب بطلان كل قول انفرد به أحد الأئمة عن الجمهور ويذكر لكل طائفة من الطوائف ما انفرد به من قلدوه عن الجمهور ولا يمكنهم [83] إنكار ذلك ولا الإقرار ببطلان قوله ولا ملجأ لهم إلا التناقض وبالله التوفيق وهم إذا كان قول الجمهور معهم نادوا فيهم على