وقوله عليكم بالشمس فإنها حمام العرب فإن العرب لم تكن تعرف الحمام ولا كان بأرضهم وكانوا يتعوضون عنه بالشمس فإنها تسخن وتحلل كما يفعل الحمام، وقوله وتمعددوا أي الزموا المعدية وهي عادة معد بن عدنان في أخلاقه وزيه وفروسيته وأفعاله، وقوله واخشوشنوا أي تعاطوا ما يوجب الخشونة ويصلب الجسم ويصبره على الحر والبرد والتعب والمشاق فإن الرجل قد يحتاج إلى نفسه فيجد عنده خشونة وقوة وصبرا ما لا يجدها صاحب التنعم والترفه بل يكون العطب إليه أسرع، وقوله واخلولقوا هو من قوله اخلولق السحاب بعد تفرقه أي اجتمع وتهيأ للمطر وصار خليقا له فمعنى ... اخلولقوا تهيئوا واستعدوا لما يراد منكم وكونوا خلقاء به جديرين بفعله لا كمن ضيع أسباب فروسيته وقوته عند الحاجة، وقوله واقطعوا الركب إنما أمرهم بذلك لئلا يعتادوا الركوب دائما بالركاب فأحب أن يعودهم الركوب بلا ركب وأن ينزوا على الخيل نزوا، وقوله ارموا الأغراض أمرهم بأن يكون قصدهم في الرمي الإصابة لا البعد وهذا هو مقصود الرمي ولهذا إنما تكون المناضلة على الإصابة لا على البعد كما سنذكره إن شاء الله.
ولو لم يكن في النضال إلا أنه يدفع الهم والغم عن القلب لكان ذلك كافيا في فضله وقد جرب ذلك أهله، وقد روى الطبراني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله «ما على أحدكم إذا ألحَّ به همه أن يتقلد قوسه فينفي به همه» (1) وهذا نظير قوله - صلى الله عليه وسلم - «عليكم بالجهاد
(1) أخرجه الطبراني في الأوسط (1158) (2/ 275) ، من طريق أحمد بن يزيد بن عبد الملك المكي حدثنا محمد بن المنذر أبو زيد حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به، أورده الذهبي في الميزان (1/ 312) ، وابن حجر في اللسان (1/ 325) ، وقالا فيه أحمد بن يزيد بن عبد الله الجمحي قال الأزدي: لا يكتب حديثه. انظر: أصول السرخسي (1/ 122) ، طبعة دار الكتاب العربي 1372هـ، تحقيق أبو الوفا الأفغاني. البحر المحيط للزركشي (1/ 197) ، طبعة دار الصفوة، الغردقة، الطبعة الثانية 1413هـ/ 1992م.