وفي هذا قولان، أحدهما أنه لا يركب عليها ويقلدها في الأخذ بالأوتار الجاهلية وهي الذحول والعداوات التي بين القبائل، الثاني وهو الصحيح أن لا يقلدها وترا من أجل العين كما كان الجاهلية تفعله وكذلك لا يعلق عليها خرزة ولا عظما ولا تميمة فإن ذلك كله من عمل الجاهلية، وفي سنن أبي داود وغيره مرفوعا، «من تقلد وترا فإن محمدا منه بريء» (1) .
وذهبت طائفة ثانية إلى أن الرمي أفضل من الركوب وتعلمه أفضل من تعلمه والسباق به أفضل واحتجت هذه الفرقة بوجوه:
أحدهما: أن الله سبحانه قدم الرمي في الذكر [18] [على الركوب] فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] ، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فسر القوة بالرمي (2) والعرب إنما تبدأ في كلامها بالأهم والأولى، قال سيبويه: كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم هذا لفظه.
الثاني: أنه سمى الرمي قوة وعدل عن لفظه وسمى رباط الخيل بلفظه ولم يعدل إلى غيره إشارة إلى ما في الرمي من النكاية والمنفعة.
الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الرمي أحب إليه من الركوب فدل على أنه أفضل منه ففي سنن أبي داود والنسائي والترمذي من حديث عقبة بن
(1) أخرجه أبو داود (36) ، والنسائي في الكبرى (9336) ، والمجتبى (8/ 135) ، وأحمد (4/ 108) ، والطبراني في الكبير (5/ 28) ، من طريق عياش بن عباس القتباني أن شييم بن بيتان حدثه أنه سمع رويفع بن ثابت يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أوعظم فإن محمد برئ منه» انظر: أصول السرخسي (1/ 122) ، طبعة دار الكتاب العربي 1372هـ، تحقيق أبو الوفا الأفغاني. البحر المحيط للزركشي (1/ 197) ، طبعة دار الصفوة، الغردقة، الطبعة الثانية 1413هـ/ 1992م. .
(2) تقدم برقم (34) . انظر: أصول السرخسي (1/ 122) ، طبعة دار الكتاب العربي 1372هـ، تحقيق أبو الوفا الأفغاني. البحر المحيط للزركشي (1/ 197) ، طبعة دار الصفوة، الغردقة، الطبعة الثانية 1413هـ/ 1992م.