المسابقة والمناضلة من باب الاستعداد للجهاد فإذا تعلم الناس أسبابه وتدربوا فيها وتمرنوا عليها قبل لقاء العدو وألفاهم ذلك عند اللقاء قادرين على عدوهم مستعدين للقائه وكل من المتسابقين والمتناضلين يريد أن يغلب صاحبه كما يريد المقاتل أن يغلب خصمه فهو يتعلم غلبة صاحبه ليتوصل إلى غلبة عدوه وهذا كحال المتناظرين في العلم فإن أحدهما يورد على صاحبه من الممانعات والمعارضات وأنواع الأسئلة ما يرد على الآخر جوابه ليعرف الحق [37] في المسألة فإذا جادله مبطل كان مستعدا لمجادلته بما تقدم له من المناظرة مع صاحبه.
فالمناظرة في العلم نوعان:
أحدهما: للتمرين والتدرب على إقامة الحجج ودفع الشبهات والثاني لنصر الحق وكسر الباطل والأول يشبه السباق والنضال.
والثاني: يشبه الجهاد وقتال الكفار قال الله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83] ، قال مالك: قال زيد بن أسلم «العلم بعلم الحجة يرفع درجة صاحبه فإن العلم بالحجج والقوة على الجهاد مما رفع الله به درجات الأنبياء وأتباعهم» (1) ، كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45] فالأيدي القوى التي يقدرون بها على إظهار أمر الله وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه والأبصار البصائر في دينه ولهذا يسمي سبحانه الحجة سلطانا، قال ابن عباس «كل سلطان في القرآن فهو الحجة» (2) ، كما قال تعالى: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الصافات: 156، 157]
(1) لم أقف عليه. انظر: أصول السرخسي (1/ 122) ، طبعة دار الكتاب العربي 1372هـ، تحقيق أبو الوفا الأفغاني. البحر المحيط للزركشي (1/ 197) ، طبعة دار الصفوة، الغردقة، الطبعة الثانية 1413هـ/ 1992م.
(2) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب التفسير سورة بني إسرائيل باب (وقضينا إلى بني إسرائيل، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق(4/ 238) ، أنبئت عمن سمع الحافظ ضياء الدين المقدسي أنا زاهر بن أبي طاهر أنا الحسين بن عبد الملك أنا عبدالرحمن بن الحسن أنا أحمد بن إبراهيم أنا محمد بن إبراهيم أنا سعيد بن عبدالرحمن ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن عكرمة عن ابن عباس، به. انظر: أصول السرخسي (1/ 122) ، طبعة دار الكتاب العربي 1372هـ، تحقيق أبو الوفا الأفغاني. البحر المحيط للزركشي (1/ 197) ، طبعة دار الصفوة، الغردقة، الطبعة الثانية 1413هـ/ 1992م.