أكل مال بالباطل وانقلب به العقد عن كونه عقد قمار وميسر إلى كونه عقد جعالة وإجارة فاستحالت به خمرة هذا العقد خلا وصار به حرامه حلا وهل فرقت الشريعة العادلة بين متماثلين من غير معنى مفرق بينهما أو جمعت بين متضادتين وهل حرمت عملا لمعنى ثم تبيحه مع قيام ذلك المعنى بعينه أو زيادته من غير أن تعارضه مصلحة راجحة وهل زاد المستعار الدخيل هذا العقد إلا شرا فإنه زاده مخاطرة واقتضى نفرة طباع المتسابقين عنه وأكله مالهما وعدم إطعامهما شيئا وهو المراعى جانبه المنظور في مصلحته وهو إما سالم وإما غانم يغلب فيسلم ويغلب فيغنم والذي قد أخرج ماله لصيق كبده وشقيق روحه يغلب فيغرم ويغلب صاحبه فلا يدعه المحلل يفرح بغلبه بل يشاطره المال إن ساواه في سبق الآخر ويحرمه إياه [42] بالكلية إن سبقه فسبق خصمه وغرم ماله فلم يستفد بسبق قرنه إلا خسارة ماله وكان هذا من بركة المحلل فلولاه لقرت عينه بسبقه وفرحت به نفسه وقويت رغبته في هذه المسابقة التي يحبها الله ورسوله هكذا حال قرنه أيضا معه فالباذلان المتسابقان لهما غرم هذا العقد وللمستعار غنمه وهو بارد القلب منهما وهما يعضان عليه الأنامل من الغيظ وهو في هذا العقد إما منتفع وإما سالم من الضرر مع كونه لم يخرج شيئا وكل منهما إما منتفع وإما متضرر وإن انتفع فهو بصدد أن ينغص عليه المحلل منفعته هذا مع بذلهما فألحقتم بالباذلين من الشر والضرر والغبن ما نجيتم منه المستعار الذي هو دخيل عليهما في المسابقة وليس مقصودا مع أنه لم يبذل شيئا.
قالوا وهل تأتي شريعة بمثل هذا وهل في الشريعة التي بهرت حكمتها العقول مثل هذا وهل فيها رعاية جانب التابع المستعار الذي هو حرف جاء لمعنى في غيره وهو فضلة في الإسناد وإلغاء جانب المقصود الذي هو ركن في الإسناد وهو (1) حضه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الركوب والرمي.
(1) كتب في الحاشية لعله (وهو الذي) . انظر: أصول السرخسي (1/ 122) ، طبعة دار الكتاب العربي 1372هـ، تحقيق أبو الوفا الأفغاني. البحر المحيط للزركشي (1/ 197) ، طبعة دار الصفوة، الغردقة، الطبعة الثانية 1413هـ/ 1992م.