فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 537

إضافة إلى كل هذا فإن البيئة الثقافية والفكرية لها أثر هائل فعّال في تلوين نمط الخط وأسلوبه في الأداء، فتفرض عليه نمطا يختلف في نظر الخبير عن الخطوط الأخرى التي ترعرعت في بيئات مختلفة أو عند أفراد مختلفين. ومن هنا كان خط النسخ في العراق، وفي قرن معين مثلا يختلف عن الخط ذاته في قطر آخر. بيد أن السمات العامة لا تكاد تختلف إلا في التفاصيل الفنية، إلا أن بعض الأقطار انفردت بأنماط معينة مثل الخط المغربي والأندلسي وما اشتق منهما مثل السوداني إذ حافظا على سمات الخط الكوفي اللين، ولهذا يستطيع الخبير أن يدرك بإحساسه وذوقه وتجربته ومرانه أن هذا نسخ يمني، وذاك نسخ مملوكي، والآخر نسخ أندلسي أو مغربي أو تونسي أو سوداني من جنوب الصحراء الأفريقية أو كردي من شرق تركية الحالية أو هندي وما إلى ذلك.

ويصح هذا القياس الفني على بقية الخطوط، ويسري أيضا على خطوط العلماء والنساخ فإن خط الذهبي هو غير خط السخاوي، أو خط ابن الجوزي، أو ابن فهد المكي أو السيوطي أو ابن حجر فإن لكل كاتب سمات خطية تختلف تماما عن سمات الخطوط الأخرى، بل إن الخطوط تختلف من عصر إلى عصر حتى في القطر الواحد، وقد تختلط الخطوط عند ناسخ واحد حين يخلط بين النسخ والتعليق والرقعة مثلا في سطر واحد أو صفحة واحدة أو في مخطوطة واحدة. وقد يختلف الخط أيضا تبعا لعمر الناسخ، وما عليكم إلا أن تقارنوا بين خطوطكم لتروا الفروق الهائلة.

إذ ليس المفروض أن كل ناسخ يعرف القواعد الخطية الدقيقة لهذا النمط أو ذاك. ومن هنا اختلفت خطوط المخطوطات إن جودة أو رداءة تبعا لخط الناسخ، وتبعا لأصالة موهبته أو ضعفها، وتبعا للجو العلمي والثقافي، بل والسياسي أيضا كما حدث عند الخطاطين الأتراك العثمانيين الذين وصلوا

بالخط العربي وإجادته إلى مستوى لم تصل إليه أمة من الأمم الإسلامية بعد، وعلى أيدي هؤلاء الخطاطين تخرّج أشهر خطاطي العالم العربي والإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت