فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 537

الخط في طبيعته الأساسية مظهر إنساني حضاري يفرضه التطور الحضاري على الأمم، فإن الكلام سبق الكتابة، والكتابة وسيلة لتسجيل الكلام ونقله من الصوت إلى الحرف، فكان لا بدّ أن يتوافق الصوت مع الحرف الذي يتلون بطبيعة اللغة وإرادة المتكلم، إضافة إلى البيئة التي أمدّت المتكلم بأسباب اللغة أولا.

فإنّ البيئة التي لا يوجد فيها الكانغرو مثلا لا تحتوي على هذه اللفظة، إلا أنه يمكن استعارتها إذا حدث احتكاك حضاري بأية صورة كانت وهذا ما حدث في التاريخ، فقد اكتشف السومريون الكتابة بعد أن وصلت حضارتهم إلى المستوى الذي أجبرهم على اكتشافها عمدا أو عفوا، إلا أن الأمم الأخرى التي استعملت الحروف السومرية المسمارية أخضعت هذه الكتابة للتغيير لكي تتلاءم مع طبيعة لغتهم وبيئتهم، فكتب بها الأكديون والبابليون بلغاتهم، ففقدت صورتها الأولى وكثيرا من حروفها.

ويصح الأمر أيضا على الأنباط والتدمريين وغيرهم، فإنهم وجدوا الآراميين يكتبون لغتهم بحروف لم يتلاءم بعضها مع لغتهم، فكتبوا بهذه الحروف، إلا أنهم أخضعوها للتغيير لكي تتلاءم مع لغتهم الكلامية، ففقدت الآرامية بعض حروفها، وهذا شأن كل حدث حضاري إذ لا بدّ أن يخضع للتغيير والتطور، فكانت بداية التحول من الكتابة السينائية البدائية إلى خطوط أوضح فأوضح. وهذا ما نراه في النقائش التي نشرت حديثا إذ ابتدأ الخط النبطي يبتعد عن الخط الآرامي المربع، بينما احتفظ الخط العبري به حتى

اليوم، ثم عراه تطور آخر، فابتعد تماما عن الخط الآرامي واكتسب صورة جديدة لا تمت إلى الخط الآرامي بصلة بالرغم من احتفاظ لغته بالتأثير الآرامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت