لقد سبق أن ذكرنا جملة من الأخبار التي يمكننا أن نستنبط منها أنّ صناعة الكتاب الإسلامي كانت معروفة في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، وأوردنا خبر كتاب ملحمة دانيال، فلو لم تكن صناعة الكتاب مستتبة القواعد إذ ذاك لم يكن هناك سبب لمقارنة كتاب دانيال مع القران الكريم لو لم يكن مكتوبا في صحائف مضمومة إلى بعضها، بل إننا نستطيع أن نستنبط من الأخبار الأخرى أن صناعة الكتاب أقدم من ذلك بزمن.
وقد ذكرنا فيما سبق أنّ السجستاني روى عن بقية أنه قال: «دفع إليّ بحير مصحفا لخالد بن معدان فيه علمه أخذه منه مكتوبا في تختين وله دفتا [1] المصحف، وله عرا وأزرار» [2] .
وقد توفي خالد بن معدان في سنة 103هـ.
وذكرنا أيضا أنّ خالدا الكلاعي المتوفى سنة 104هـ جعل علمه في مصحف، له أزرار وعرا [3] ، وهل تكون الأزرار والعرا إلا للكتاب المجلد بدفتين؟ ومثل هذا كثير للباحث المنقّر.
ويؤيد هذا أنّ محمد بن عبد الملك الأسدي الفقعسي البغدادي المتوفى سنة 158هـ له كتاب مآثر بني أسد وأشعارها الذي لم يصل إلينا بعد [4] .
وهناك إشارات في الفهرست للنديم، وفي كتب التراجم والرجال والتاريخ والأدب ما يؤكد أن صناعة الكتاب الإسلامي أقدم من هذا التاريخ إذا لم نشكّ في خبر عبيد بن شرية الجرهمي الذي وفد على معاوية فسأله
(1) في كتاب المصاحف: دفتي؟ وفي طبعة دار الكتب العلمية هذه أوهام لا تعدّ ولا تحصى.
(2) كتاب المصاحف، دار الكتب العلمية، بيروت 1405هـ / 150، 1985، وعن بقية بن الوليد المتوفى سنة 197هـ، انظر: سير أعلام النبلاء 8/ 455وفيه جاء ذكر بحير بن سعد.
(3) تذكرة الحفاظ 1/ 87.
(4) الفهرست 55والمغانم المطابة 47، 67ومعجم المؤلفين 10/ 255.