وهنا لا بدّ لي من كلمة وجيزة، حول رأي بعض المستشرقين في جهود المسلمين التحقيقية، فإنهم وبالرغم من اشتغالهم الطويل بتحقيق النصوص العربية، يرون = أن تحقيق النصوص التاريخية هو عمل «فيلولوجي» أي:
لغوي، ولما جاء المحقق العربي متأخرا عن المحقق الكلاسيكي [1] كان لا بدّ له أن يستقي منه ويتبع الطريق التي كشف هو عنها =، وهذ رأي ينضح جهلا بجهود العلماء المسلمين.
وبمعنى آخر: إن المحقق العربي يجب أن يسير في تحقيقاته على نهج المحققين المستشرقين لأنهم سبقوه حين قعّدوا الأصول التحقيقية للنصوص، وهذا رأي لا يقوم للنقد، وذلك أن دارسي المخطوطات العربية ومحققيها يعرفون جيدا كم كان العرب يعنون بإخراج النصوص الصحيحة الموثوقة الثابتة، عناية تفوق ما يفعله محققو اليوم من العرب أو من المستشرقين، وإلا ما معنى المقابلة والقراءة وسماع الطبقات والإجازة وهي تعني: أن هذا الكتاب قد قرىء على مصنفه أو راويه فوجده صحيحا فأجاز روايته، وإليك بعض الأمثلة:
في مخطوطة أشعار الهذليين المحفوظة في لايدن برقم: 549، ورد النص الآتي: = كنت ابتدأت بكتابة هذا الكتاب منذ مدة طويلة، فكتبت المجلد الأول وقرأته على شيخنا أبي منصور بن الجواليقي أمتع الله به، ثم تركت وعدت إلى الكتابة والقراءة، فكان مدة ذلك بضع عشرة سنة آخرها شعبان سنة تسع وثلاثين وخمس مئة وكتب محمد بن علي العتابي =.
(1) يريدون: المشتغل بتحقيق النصوص اليونانية واللاتينية.