والتكايا والصناديق المقفلة فتتعرض لبعض الآفات المعروفة كالحريق، والأرضة مثلا، فلعل أحدا يعثر في المستقبل على نسخة أخرى مما نشر، فيعيد تحقيقها تحقيقا جديدا، وقد حدث مثل هذا كثيرا أيضا.
بل إنّ النسخة الفريدة إذا وقعت في يد محقق جاد، واسع المعرفة بفنون التحقيق والتنقير، جم الصّبر على فكّ معمياتها، فإن حرصه يشتد على إخراجها صحيحة سليمة، لأنها تشكل تحديا عنيفا له، يدفعه إلى البحث العميق والتنقير الطويل، فيزداد بذلك علما على علمه وتجربة على تجربته، إذ ليس عند المحققين الجادين شيء أجمل وأعز لديهم من العثور على خبر يصحح ما اعتور المخطوطة الفريدة من طمس أو محو أو سقط، فيغشاهم السرور الدافق ويعمّ قلوبهم الحبور السامق الذي لا يعرف لذته ولا يدرك كنهه إلا الهواة الذين غلب حب التراث على قلوبهم. أما الذين يسرقون جهود الآخرين، ويدسون أنوفهم فيما لا يفقهون، فلا مكان لهم بين المحققين الذين يفنون أعمارهم في خدمة هذا التراث، ويضحون بنور عيونهم وصحة أبدانهم، ناهيك عن أموالهم، في سبيل إخراج النصوص صحيحة وسليمة من كلّ خطأ أو وهم أو عوار.