وفي الحديث مشروعية التكني ولو لم يكن له ولد , وهذا أدب إسلامي ليس له نظير عند الأمم الأخرى فيما أعلم , فعلى المسلمين أن يتمسكوا به رجالًا ونساء , ويدعوا ما تسرب إليهم من عادات الأعاجم مثل كـ (البيك) و (الأفندي) و (الباشا) , ونحو ذلك كـ (المسيو) , أو (السيد) , و (السيدة) , و (الآنسة) , إذ كل ذلك دخيل في الإسلام , وقد نص فقهاء الحنفية على كراهية (الأفندي) , لما فيه من التزكية , كما في (حاشية ابن عابدين) , والسيد إنما يطلق على من كان له نوع ولاية ورياسة , وفي ذلك جاء حديث (قوموا إلى سيدكم) , وقد تقدم برقم - 66 - ولا يطلق على كل أحد لأنه من باب التزكية أيضًا.
فائدة: وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها , أنها أسقطت من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سقطًا فسماه عبدالله , وكناها به , فهو باطل سندًا ومتنًا , وبيانه في المجلد التاسع من الضعيفة.
من حقوق الجار
149 - (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه) .
وفي الحديث دليل واضح على أنه يحرم على الجار الغني أن يدع جيرانه جائعين , فيجب عليه أن يقدم إليهم ما يدفعون به الجوع , وكذلك ما يكتسون به إن كانوا عراة , ونحو ذلك من الضروريات.
ففي الحديث إشارة إلى أن في المال حقًا سوى الزكاة , فلا يظنن الأغنياء أنهم قد برئت ذمتهم بإخراجهم زكاة أموالهم سنويًا , بل عليهم حقوق أخرى لظروف وحالات طارئة , من الواجب عليهم القيام بها , وإلا دخلوا في وعيد قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) التوبة 34 - 35.
النهي عن التقبيل عند اللقاء
160 - (لا و لكن تصافحوا يعني: لا ينحني لصديقه. . . ولا يقبله حين يلقاه) .
رواه الترمذي , وابن ماجه , والبيهقي , وأحمد من طريق حَنْظَلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّدُوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدُنَا يَلْقَى صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا قَالَ فَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا قَالَ فَيُصَافِحُهُ قَالَ نَعَمْ إِنْ شَاءَ) .
إذا عرفت ذلك , ففيه رد على بعض المعاصرين من المشتغلين بالحديث من ذوي الأهواء والطرق , وهو الشيخ عبدالله بن محمد الصديق الغماري , فقد ألف جزءًا صغيرًا أسماه (إعلام النبيل بجواز التقبيل) , حشد فيه كل ما وقف عليه من أحاديث التقبيل - ما صح منها وما لم يصح - , ثم أورد هذا الحديث وضعفه بحنظلة , ولعله لم يقف على هذه المتابعات التي تشهد له , ثم تأويله بحمله على ما إذا كان الباعث على التقبيل مصلحة دنيوية , كغنى أو جاه أو رياسة مثلًا , وهذا تأويل باطل , لأن الصحابة الذين سألوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التقبيل , لا يعنون به قطعًا التقبيل المزعوم , بل تقبيل تحية , كما سألوه عن الانحناء والمصافحة , فكل ذلك إنما عنوا به التحية , فلم يسمح لهم من ذلك بشئ إلا المصافحة , فهل هي المصافحة لمصلحة , دنيوية؟ اللهم لا.
فالحق أن الحديث نص صريح على عدم مشروعية التقبيل عند اللقاء, ولا يدخل في ذلك تقبيل الأولاد والزوجات , كما هو ظاهر , وأما الأحاديث التي فيها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل بعض الصحابة في وقائع مختلفة , مثل تقبيله واعتناقه لزيد بن حارثة عند قدومه المدينة , واعتناقه لأبي الهيثم بن التيهان , وغيرهما , فالجواب عنها من وجوه:
الأول: أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة , ولعلنا نتفرغ للكلام عليها وبيان عللها إن شاء الله تعالى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)