فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 28017 من 67893

وقد ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرا فيكون التفقه في الدين فرضا والتفقه في الدين معرفة الاحكام الشرعية بأدلتها السمعية فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصلية في جمبيع أموره فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته لا كل ما يعجز عنه من التفقه ويلزمه ما يقدر عليه وأما القادر على الاستدلال فقيل يحرم عليه التقليد مطلقا وقيل يجوز مطلقا وقيل يجوز عند الحاجة كما اذا ضاق الوقت عن الاستدلال وهذا القول أعدل الأقوال

والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزي والانقسام بل قد يكون الرجل مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه فمن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الامام الذى اشتغل على مذهبه ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره واشتغال على مذاهب إمام آخر وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه وحينئذ فتكون موافقته لامام يقاوم ذلك الامام وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل فهذا هو الذي يصلح

وانما تنزلنا هذا التنزيل لانه قد يقال إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده قائما في هذه المسأله لضعف آلة الاجتهاد في حقه أما اذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النص فهذا يجب عليه اتباع النصوص وان لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الانفس وكان من اكبر العصاة لله ولرسوله بخلاف من يقول قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها فهذا يقال له قد قال الله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقال النبى صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل اذا تغير اجتهاده وانتقال الانسان من قول الى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه بخلاف إصراره على قولا لا حجة معه عليه وترك القول الذي وضحت حجته أو الانتقال عن قول الى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم

واذا كان الامام المقلد قد سمع الحديث وتركه لا سيما إذا كان قد رواه أيضا فمثل هذا وحده لا يكون عذرا في ترك النص فقد بينا فيما كتبناه في رفع الملام عن الأئمة الأعلام نحو عشرين عذرا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار وأما نحن فمعذرون في تركها لهذا القول

فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح أو أن روايه مجهول ونحو ذلك ويكون غيره قد علم صحته وثقة رواية فقد زال عذر ذلك في حق هذا ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل لبعض الأمصار وقد تبين للآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه وان نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل لم يكن عذر ذلك الرجل عذرا في حقه فان ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه لا سيما اذا كان التارك للحديث معتقدا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار وأهل المدينة النبوية وغيرها الذين يقال انهم لا يتركون الحديث الا لاعتقادهم أنه منسوخ أو معارض براجح وقد بلغ من بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه بل عمل به طائفه منهم أو من سمعه منهم ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض للنص

وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد أنت أعلم أم الامام الفلاني كانت هذه معارضة فاسدة لأن الامام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة ولست أعلم من هذا ولا هذا ولكن نسبة هؤلاء الى الأئمة كنسبة أبى بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم الى الأئمة وغيرهم فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض اكفاء في موارد النزاع وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه الى الله والرسول وان كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع آخر فكذلك موارد النزاع بين الأئمة وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب وأخذوا بقول من هو دونهما كأبى موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة وتركوا قول عمر في دية الأصابع وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبى قال هذه وهذه سواء

وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له قال أبو بكر وعمر فقال ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوا بقول عمر فتبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه فألحوا عليه فقال لهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع أم أمر عمر مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس

ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ويبقى كل امام في اتباعه بمنزلة النبى صلى الله عليه وسلم في أمته وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون االله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشرلاكون والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله وحده.

مجموع الفتاوى (20/ 210 - 216)

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت