إن الجهل هو سبب كل المصائب الموجودة في الدنيا: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} [الرعد:5] شخصٌ خرج علينا الأسبوع الماضي بفتوى من أعجب ما يكون! يقول: إن التنمُّص جائز للرجال حرام على النساء، تصوَّر! يجوز للرجل أن يرقق حاجبه حتى يكون كالهلال، ما هي الحجة؟ هي كحجة إبليس حين قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف:12] .
لماذا؟ قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12] يا غبي! الطين خيرٌ من النار، فالنار تحرق، والطين فيه رخاوة وبرودة، يقيس الشيء على الضد، وهذا هو سبب الغباوة! ما هي حجتك أن يتنمَّص الرجال دون النساء؟ قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله النامصات والمتنمصات) ولم يقل: النامصين.
إننا نجأر إلى الله من أمثال هؤلاء مجددينات النامصات! سئل أحد الأذكياء وهو الأديب كامل كيلاني رحمه الله وقال يومًا ما: إننا نعوذ بالله ونجأر إليه من المجددينات.
فقالوا له: وما المجددينات؟ لم يكن جمعًا مذكرًا سالمًا، ولا جمعًا مؤنثًا سالمًا؟ قال: هذا جمع مخنث سالم، أي: سالم من الرجولة ومن العلم.
الإجابة عن هذه الفتوى ولا أقول: شبهة، فهي أدنى من أن تسمى شبهة، هذا جهل فاضح، لا يرتقي إلى العلم بسبب ولا إلى الشبهة بسبب.
أيها الكرام! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لجمالها) .
إذًا: مَن الذي يبحث عن الجمال؟ إنما هم الرجال.
من الذي يحرص أن يظهر في أبهى حلة وأجمل منظر؟ إنها المرأة، فهذا رأس مالها أن تكون جميلة، فإن شطرًا من العباد ينكحون النساء للجمال، وفي سنن النسائي قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها طلقت عنده) أي: ثقلت وكره النظر إليها، إذًا: لا بد أن تتزين، وقال تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف:18] فالحلية إنما تكون للبنات، وإنما قيل: حلية؛ لأنه يُتَحَلَّى بها.
فالخطاب في هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الذي يتزين ويتحسن هي المرأة وليس الرجل، والرجل يبحث عن الجمال في المرأة، والمرأة تبحث عن الرجولة في الرجل، قَلَّ مِن النساء مَن تبحث عن شكل الرجل: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26] هذه هي صفة الرجل التي تبحث المرأة عنها.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يُعْقَل -وهذا الأمر لا يكون إلا في النساء- أن يقول: لعن الله المتنمصين، هذا خطاب ليس له واقع؛ لأنه لا يتنمص الرجال، وهذا معنى قول العلماء: الخطاب خرج مخرج الغالب، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130] كانت العرب تضاعف الربا، يأخذونه أضعافًا مضاعفة، فهل لو أكل الرجل الربا ضعفًا بسيطًا جاز له ذلك؛ لأن ربنا عز وجل يقول: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130] فهل يجوز للواحد أن يقول: سآكله ضعفًا واحدًا؟! وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرأة باتت - يعني: في الليل- هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) فإذا أراد الرجل امرأته نهارًا فهجرت فراشه نهارًا، أتلعنها الملائكة أم لا؟ تلعنها الملائكة حتى تمسي، وإنما نص على الليل؛ لأنه في الليل يكون الفعل عادة، ولا يكون نهارًا، فنص على ما خرج الغالب عليه.
فعندما يرى النبي عليه الصلاة والسلام أن النساء هن اللاتي يطلبن الحسن، وهن اللاتي يتفلجن قال: (لعن الله النامصات) لأنهن يفعلن ذلك، ولا يليق أبدًا أن يقال: ولعن النامصين؛ لأنه ليس هناك رجل واحد يتنمص.
هذه هي المسألة ببساطة شديدة لا تحتاج إلى كبير علم، ومع ذلك فهذه فتوى من آلاف الفتاوى.
العلم هو العاصم من مثل هذا وغيره.