فهرس الكتاب

الصفحة 967 من 1719

في كل عصر كان هناك من يعتدي على حياض القرآن، لكنه كان يستتر، وكان يستخدم عبارات موهمة؛ لأنه لو صرح لقتل.

هذا أبو العلاء المعري -الشاعر المعروف الذي كفره الفقهاء- اعترض على حكم القرآن ببيتين من الشعر، ونحن نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار) ، الدينار مائة درهم، إذًا: ربع دينار خمسة وعشرون درهمًا، الدرهم تسعون فلسًا تقريبًا، يعني لو أن رجلًا سرق خمسة وعشرين جنيهًا تقطع يده.

ونعلم أيضًا أنه لو اعتدى رجلٌ فقطع إصبع شخص آخر فإن الدية التي شرعها النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الإصبع الواحد عشرة جمال، والجمل بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وإذا ضربتها في عشرة آلاف تصبح ثلاثين أو أربعين ألف جنيه، دية الإصبع، في حين أن هذه اليد التي تتألف من خمسة أصابع لو سرقت خمسة وعشرين جنيهًا تقطع كلها.

فهذا الرجل لم يعجبه الحكم، فقال: يدٌ بخمس مئين عسجدٍ وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار فنسب أحكام الله ورسوله إلى التناقض، وقال: إذا أردت ألا تدخل جهنم قل: أعوذ بالله من النار فقط.

ويدعي أن كلام ربنا متناقض! يقول: ولأنه إله لا تستطيع أن تراجعه فسلم حتى وإن كان فيها تناقض، وهذا الكلام كفر، فطلبه الفقهاء ليقتلوه فهرب، ورد عليه العلماء، ومن أبلغ المقالات التي ردت عليه قول القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله: (لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت) .

ويهرب الرجل؛ لأن هناك من يطلبه.

لو أن هؤلاء اللادينيين حقًا كانوا يعلمون أنه من اعتدى على حكم الكتاب والسنة قتل؛ ما وجد هذا الغثاء، ولا السيل الجارف من الإهانات للكتاب والسنة بدعوى الفكر، والحرية، هل هناك جهة تنفيذية تأتي بهذا المرتد لتجعله عبرة لمن يعتبر؟ لاسيما وقد أطبق علماء الأزهر جميعًا على ردة الرجل، مع حكم المحكمة على ردته أيبقى هذا الرجل له عينٌ تطرف ولو كان في آخر الأرض؟ وتشعر بحسرة عظيمة إذا علمت أن سلمان رشدي اعتدى على الرسول عليه الصلاة والسلام صاحب الجناب العالي، واعتدى على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم واتهمهن بالدعارة والزنا! ومع ذلك لم توجد دولة إسلامية واحدة تسحب السفير من إنجلترا التي دافعت عن هذا المجرم.

فإذا علمت ذلك فاعلم أن أعداءنا ما وصلوا إلى هذا طفرة، يفعل الفعل وينتظر ردة فعل، فإذا وجدوا رد الفعل قويًا تردد أن يفعل أخرى، لكن إذا وجد ردة الفعل ضعيفة جدًا، لا يعدو أن يكون شجبًا واستنكارًا فقط؛ أغراه ذلك بضربةٍ أقوى من الأولى.

ما وصل أعداؤنا إلى هذا طفرة، رحل الاستعمار من بلادنا، لكنه ترك تلامذته وأذنابه يعبثون، أليس تلامذته هم الذين كتبوا لنا التاريخ في المدارس الإعدادية والثانوية، وهم الذين كتبوا لنا التاريخ في الجامعات؟ تلامذة المبشرين الذين كتبوا (مآثر الحملة الفرنسية) و (أضرار الحركة الوهابية) ويقولون -بكل تبجح-: الحملة الفرنسية لها مآثر! كانت حملةً صليبيةً تبشيرية ويقولون: لها مآثر! والدعوة الوهابية في بلاد الحجاز التي كان الهدف منها إعادة الدين نقيًا كما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقال: (أضرار الحركة الوهابية) وتخرج حملة عسكرية من مصر بقيادة إبراهيم باشا لضرب الحركة الوهابية هناك! هذا هو التاريخ الذي درسوه لنا؛ فنشأ هذا الجيل مبتوت الصلة بتاريخه؛ لذلك لا يحس بالضربات المتلاحقة على الكتاب والسنة.

إن الصحابة الكرام كان القرآن أعظم في قلوبهم من أن يتطرق إليه تأويلٌ مرجوح، لا أقول: باطل، بل أقول: مرجوح فقط، والتأويل المرجوح له وجه في القوة، لكنه أدنى من التأويل الآخر الراجح؛ لأنه كان أعظم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت