فهرس الكتاب

الصفحة 912 من 1719

كثر كلام المتكلمين في أسباب ضعفنا، وأننا لم نأخذ بالقوة المادية المجردة عن القيم والمبادئ، أصخوا أسماعنا بأن الغرب سبقونا بأقمار التجسس وسبقونا بحرب النجوم وسبقونا بهذه الأشياء، ونحن لابد أن نكون على منوالهم، وصاروا يدندنون على ذلك ونسوا أهم خطوة في الموضوع.

منذ عدة أشهر علا موج المحيط، ودخل هذا الموج العاتي على ولاية فلوريدا الأمريكية، فكانت الخسائر المبدئية ثلاثين مليار دولار، بعدها بأسبوع، علا موج المحيط، فدخل على مدينة هاواي الأمريكية، مدينة الدعارة، فكانت الخسائر المبدئية خمسة مليارات دولار، فكان المجموع خمسة وثلاثين ألف مليون دولار، في كم؟! في نصف ساعة! عدوك إذا أراد الله أن يهلكه كم من الوقت يأخذ؟! لكن بعد أن تكون عبدًا لله، كلٌّ منا يسأل نفسه: هل أنا عبد لله فعلًا؟ هل استطعت أن أعبّد نفسي وأهلي لله فعلًا؟ أيها الصارخ! حنانيك، يا أيها الذي تريد أن تحكم العالم غدًا! رويدك إن شيطانًا بداخلك، إنك عاجز أن تأمر امرأتك بالحجاب، إنك عاجز أن تأمر بناتك بالحجاب، أنت عاجز أن تأمر ولدك أن يصلي، تريد أن تحكم العالم غدًا، وأنت عاجز أن تحكم أسرة، لا تستطيع أن تقيمها، وتريد أن تحكم العالم، إذا صرنا عبيدًا لله، حكمنا العالم.

المسلمون في مكة، ماذا قال الله لهم؟ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النساء:77] بالله عليكم أنحن أقمنا الصلاة؟ خمس دقائق نقولها للمسلمين صبروا أنفسكم حتى نسوي الصف، يزمجر كثير منهم، أهذه هي إقامة الصلاة، لابد أن نكون عبيدًا لله أولًا، فإذا ما صرنا عبيدًا لله، مكّن لنا، كيف يُمكَّن لنا في الأرض ونحن لم نطبق الشرط المطلوب منا للتمكين، وهو: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41] ، تصور لو مكن لبعض المسلمين الآن، أو بعض الدول الإسلامية، أو التي تزعم أنها إسلامية، أيكون حالهم أحسن من حال الكفرة الممكنين حاليًا في الأرض؟!

الجوابلا.

إن الله تبارك وتعالى لا يحابي أحدًا من عباده، أبدًا، ولو حابى أحدًا لحابى أنبياءه في ذويهم، كما قال تعالى لنوح في ابنه {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود:46] ، ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأمه، مع أنه خرج دامع العينين لما نهي أن يستغفر لأمه، كيف لا؟! والله تبارك وتعالى كان يقول له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6] ، أسفًا هنا مؤخرة في السياق: أي لعلك قاتل نفسك أسفًا على آثارهم لأنهم لا يؤمنون بهذا الحديث، من شدة شفقته صلى الله عليه وسلم على الناس يكاد يموت من الحزن عليهم لأنهم لا يؤمنون، فكيف بأمه التي ولدته، لو أن الله يحابي أحدًا لحابى أنبياءه في ذويهم، لكنه لا يحابي أحدًا، ألم يقل تبارك وتعالى: (إني حرمت الظلم على نفسي) ، ولو ظلم -وحاشاه- لما سأله أحد، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء:40] ، فنحن ما قمنا بما يجب علينا من الأخذ بالسبب في العبودية، فلم يقم لنا القلب، لذلك صرنا أذلة في كل مكان.

كثير من الذين يحاضرون، يتكلمون عن أسباب ضعف المسلمين، والتنبيه عليه واجب، لكن ألفت النظر إلى شيءٍ خطير يقعون فيه غالبًا، وهو أنهم يأخذون جل المحاضرة في عرض السيئات، وفي عرض أسباب الخلل، ثم يذكر العلاج في خمس دقائق، فينصرف الجماهير، وعندهم أسى وشعور قاتل بالهزيمة، لا يوجد لديهم العلاج، لأن المحاضر تكلم ساعات في أسباب ضعفنا، وبعد ذلك رأى أنه بقي من الوقت خمس دقائق، وبدأ يذكر العلاج بإيجاز: تقوى الله وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله حسنًا: الجماهير ليس عندهم تصور لتقوى الله، وإنما الذي لديهم فقط تصور لأسباب الخلل، تمامًا مثل المسلسلات العربية، تتكون من أربعة عشر حلقة ونصف يعرض فيها كيف أن اللص يكسر الأقفال ويسرق البنوك، وبعد ذلك قبل ما الخمسة عشر حلقة تنتهي بربع ساعة ينتهي المسلسل بأن اللص قبض عليه، وبعد ذلك يقول لك حقًا: إن الباطل زاهق وبعد ذلك ينتهي المسلسل.

فالنتيجة أن كل الجماهير التي تفرجت عرفت بعد هذا المسلسل كيف تفك الأقفال، لكن مسألة أنها تتوب وتعرف أن الحق غلاب وتتشبع بالرادع عن الجريمة، ما صار عندها أي تصور لذلك لأنه طرح في خمس دقائق فقط.

تصور مثلًا جيلًا مهزومًا كجيلنا الآن وجيل آبائنا الذي تجرع جميع الهزائم، فعندما يقال: لدى أعدائنا ألفي إذاعة وأربعمائة مجلة وخمسمائة جريدة، وأربعين قمرًا صناعيًا تُصوِّر حتى (الفانلة) التي أرتديها.

أنا رجل ليس عندي شيء إطلاقًا، فما المتوقع مني بعدما أسمع هذا؟ المتوقع مني هو أن أصاب باليأس، إذ أن هناك أربعين قمرًا صناعيًا فوق منطقة الشرق الأوسط يراقبون حتى ما ألبسه فماذا أفعل؟ أبدل أن أعمل سقف البيت بسمك عشرة سنتمترات أعمل سقف البيت بسمك متر؟ لأنني وأنا أمشي أحس أنني مكشوف، لو خطر ببالي يومًا ما أن أنتفض وأثأر لكرامتي سأعلم أنني مكشوف، فأقول في نفسي، وماذا أفعل وأنا مكشوف، فأستسلم للأمر الواقع، وأصاب بالإحباط.

نحن نقول للذين يلقون محاضرات في مساوئ المسلمين الآن وأسباب الخلل: (إذا عرضت أسباب الخلل جملة وفصلت العلاج أصبت) فعندما تُعلم الناس كيف يكونون عبيدًا لله هنا نقول: أصبت، لأنك عند أن تعرض أسباب الخلل وليس في يديك العلاج لا يكون لذلك العرض قيمة، لأن غاية قولك تعريف المستمع أنه ضعيف وإقناعه بذلك، وأنت تنازع أنك ضعيف، أنا وأنت نعرف أننا ضعفاء، لكن يا أخي! كيف سبيل العلاج، لا أريد أن أسمع أسباب الخلل، نحن نعرفها، أعظم أسباب الخلل أننا لسنا عبيدًا لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت