السؤالسمعنا من بعض طلبة العلم يقولون على لسان الشيخ عبد العزيز بن باز: إن الشيخ الألباني يقول: نتساهل مع بعض الرواة وكذلك التحسين والتصحيح والتضعيف في تحسين الحديث الضعيف، ويقولون: الشيخ ابن باز له تعقب على تحسينات الشيخ الألباني للحديث، فما رأيكم في هذا؟
الجوابفنقول: من ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه ونقول أيضًا: من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط وأقول ثالثا: إن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، من أشد الناس تعظيمًا وتوقيرًا للشيخ الألباني، وحدثني بعض أكابر أصحاب الشيخ ابن باز أنه كان في مكة في مجلس يضم الشيخ ابن باز والشيخ الألباني، فأبى الشيخ عبد العزيز بن باز أن يدخل قبل دخول الشيخ الألباني وقدّمه، وقال إنما ينبغي أن يقدم أهل الفضل.
ودخل الشيخ ابن باز مرة في بيت بعض الشاميين الذين لا يحبونه وينتقصونه في دروسه العلمية، فالشيخ ابن باز رحمه الله دخل على هذا الرجل، وأنا أعرفه، فالشيخ ابن باز كان يعلم أن صاحب هذا الدار يتكلم على الشيخ الألباني، فدارت مناقشات علمية في بعض الأحاديث، فالشيخ ابن باز قال: هل عندك كتاب إرواء الغليل، وهو كتاب للشيخ الألباني رحمه الله يقع في ثمانية مجلدات، خرج فيه أحاديث منار السبيل، وهو كتاب من مجلدين فقط في الفقه الحنبلي، فالشيخ الألباني خرج أحاديث وآثار هذا الكتاب وحكم عليها بالصحة والضعف أو ما يناسبها في ثمانية مجلدات، فالشيخ ابن باز قال لصاحب الدار: هل عندك إرواء الغليل؟ قال: نعم، قال: ائت به، ماذا قال الشيخ الألباني في هذا الحديث؟ والحديث كان صححه الألباني.
فالشيخ ابن باز حفظه الله فقيه، ومن أعف الناس لسانًا، وأنا لا أعلم أحدًا من العلماء الكبار في السعودية يعظم الألباني كتعظيم الشيخ ابن باز.
وأنا قدمت هذه المقدمة حتى أرد على من يقول: الشيخ ابن باز رد على الشيخ الألباني، ويبين أنهم يتناحرون فيما بينهم، والشيخ الألباني ليس معصومًا، وسئل الشيخ ابن باز -ولم أسمع هذا منه مباشرة إنما حدثت عنه- عن الشيخ الألباني فقال: لا أعلم أحدًا تحت أديم السماء أعلم بالحديث من الألباني، وهذه شهادة حق، فأعلم الناس بالحديث في هذا الزمن هو الشيخ الألباني، على رغم أنف الحسود.
وليس معنى أنه أعلم الناس ألا يكون له زلة، أو لا يطالب بحكم من الأحكام، بل الشيخ الألباني لما طبعت كتبه الجديدة مثل السلسلة الصحيحة مثلًا رجع عن بعض أحكامه التي حققها منذ ثلاثين عامًا، مثل حديث صحيح رأى أنه ضعيف، وضعيف رأى أنه حسن، وضعيف رأى أنه موضوع إلى آخره، فتغيرت المراتب، وهو نفسه يقول: وحتى لا يظن أحد أن هذا خطأ مطبعي إذا وجدت شيئًا تغير حكمه، فلي أستاذ في السلف من العلماء الذين كانت تتغير أحكامهم، لا سيما الإمام أحمد بن حنبل، والشافعي له مذهبان: مذهب قديم ومذهب جديد، يُقال: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد، وأحمد رحمه الله له أقوال في المسألة قد تصل إلى خمسة، ولم يقل واحد من المنتسبين لـ أحمد ولا غير المنتسبين: إن هذا تناقض من أحمد، بل يحملون قول أحمد على دلالة وقوله الآخر على دلالة أخرى، ويقولون: ربما هذا المتقدم وهذا المتأخر، ويلتمسون الأعذار للعلماء، فلم لا يلتمسون الأعذار لعلماء الحديث، والقول واحد والصورة واحدة.
والشيخ الألباني رحمه الله ليس معصومًا، نعم.
غلط في الأحاديث وكان الحق مع مخالفيه، فبعض الناس خالفوه في أحاديث حسنها وكانت ضعيفة وكان الحق مع مخالفيه، وكذلك صحح أحاديث والحق مع مخالفيه في أنها مثلًا حسنة أو ضعيفة، ولكن حسنات الشيخ أكبر بكثير من سيئاته.
فانتقاد الشيخ ابن باز رحمه الله لبعض ما يكون من الشيخ الألباني ليس هجومًا من الشيخ ابن باز على الألباني، وثانيًا النظراء يختلفون.
وفي سير أعلام النبلاء قال يونس بن عبد الأعلى رحمه الله وهو واحد من أصحاب الشافعي، قال: اختلفت مع الشافعي في مسألة فجاءني وطرق بابي، ثم أخذ بيدي وقال لي: ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة، قال الذهبي رحمه الله معلقًا على قول الشافعي: ما أثمن عقل هذا الإمام! فما زال النظراء يختلفون.
والشافعي رحمه الله تكلم على مالك، فلما جاء من العراق إلى مصر ومصر كانت مالكية، فبدأ الشافعي يتكلم وينتقد مالكًا في بعض ما ذهب إليه من أحكام، فهاج عليه المالكية، ومنهم محمد بن عبد الله بن الحسن، وكان قرين الشافعي في الأخذ، وعظم على الشافعي أن يخالف مالكًا، فلزم الشافعي بيته ولم يخرج، لأنهم عظموا عليه أن يخالف مالكًا، فذكر أبياتًا بين فيها أن ما عليه من جناح إن خالف مالكًا، لأن هذا لا يضر، وكذلك خالف الشافعي محمد بن الحسن الشيباني وقد تتلمذ له، ولا زال النظراء يختلفون، ولا زال التلاميذ يخالفون شيوخهم، فما بالك بأعلم رجلين في هذا العصر إذا خالف أحدهما الآخر في مسألة أو في تصحيح حديث، فالمسألة محتملة، لا سيما إذا دخلت في باب الاجتهاد، قد يكون الحكم على حديث داخلًا في باب الاجتهاد، فكلما رسخ السبب والمنطق العلمي كلما أصاب الرمية بتحقيق.
نسأل الله عز وجل ألا يجعل في قلوبنا غلًا لعلمائنا ولا للذين آمنوا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.