لو أنني تركت نفسي للهاتف أجيب عن كل مكالمة تأتيني -بلا مبالغة- سأظل ست ساعات في اليوم أتكلم، فجرس الهاتف لا يكف عن الرنين ليل نهار، الساعة الرابعة في الليل، الساعة الخامسة في الليل، الساعة الثالثة في الليل، لا يكف عن الرنين، بعدما قلنا للناس: يا جماعة! ارجعوا إلى الله، وعبِّدوا أنفسكم لله.
الحمد لله كانت النتيجة مبهرة، ورجع أناس كثيرون إلى الله؛ لكن كل إنسان رجع إليك بعُجَرِه وبُجَرِه يقول لك: أنا لخبطت، ولي عشرون سنة ماشٍ على كَيفي، وارتكبت موبقات، فأنا أريدك أن تسمعني وتطول بالك؛ حتى أحكي لك، لكي تقول لي الخلاص من هذه ماذا؟ والخلاص من هذه كيف؟ والخلاص من هذه كيف؟ هذا فرد لا بد أن تعطيه خاطرك، وتعطيه أذنك، وتسمع منه بإتقان؛ لأنك ناصح وهذا أثر دعوتك، إذا أخذت السماعة وقلت له: أنا لست فارغًا.
إذًا: لماذا ظللت (تتنطع) على المنبر، وكادت حنجرتك تنفلق؟ يعني: من أول يوم قلتَ فيه: ارجعوا إلى الله، فأنا أريد أن أرجع، من الذي يرجعني إلى الله؟ أنت الذي أرجعتني، إذًا: لا بد أن تكمل المشوار.
إذًا: ليس عندك خيار على الإطلاق، غير أنك تعطي أذنك وتسمع، طبعًا يتكلم بإسهاب، ويدخل في الكلام: ونسيتُ أن أقول لك: لستُ عارفًا ماذا؟ ومن هذا الكلام، ويعطيك حينها سيناريو الموضوع لكي يبين عذره.
مثلًا: غلط ومشى مع امرأة، ويريد أن يبين لك أيضًا أنه إنسان نبيل في الأصل؛ لكنه معذور، ظلت تعمل لي، وتعمل لي، ولا يوجد جمل يتحمل هذا الكلام، فوقعت.
وطبعًاَ أول ما تقول له: يا أخي، طيب، ليس مهمًا، ادخل في الموضوع باختصار، يقول لك: لا.
الكلام الذي سأقوله مهم.
والكلام الذي يقوله يريد به فقط أن يبين أنه ليس وِحِشًَا؛ أنا لم أقع بالسهل.
فلا بد أن تسمع الكلام، وهذا فرد واحد.
وصلت المسألة أن يتصل بك يستشيرك مثلًا في زواج ابنته أو زواج ابنه.
ووصلت المسألة أن عنده ميراثًا يريد أن يشغله، بأن يضعه مثلًا في بنك فيصل، أو يناوله فلانًا، فهل تعرف تاجرًا حذقًا أمينًا؟ إلى آخر هذه التفصيلات التي لا بد أن تستمع إليها، وتعطيها أذنك وقلبك.
هذا جهد غير مرئي وأنت جالس على مكتبك، فتنزل إلى فتلقى ثلة من طالبي الحق ينتظرونك أيضًا على بوابة البيت، وهم يتصورون أنك نائم تحت التكييف.
شخص كتب لي رسالة في الأسبوع الذي مضى، ورماها لي من فوق الباب: قال: يا عم، تأكلون كبابًا، -لست أعرف ما أدراه؟ مع أن الأكل هذا من المفروض أنه حاجة مستترة، لا يعرفها إلا مَن استضفته- تأكلون كبابًا بثلاثين جنيهًا، وتركبون عربيات، وجعلتم تغيرون في العربيات، وأنتم تتكلمون عن الزهد والتقشف وما إليه، ولست عارفًا ماذا! ومن هذا الكلام، وآخذٌ في الزواج، تظل تتزوج واحدة بعد أخرى، وأنا لا أجد زوجة.
هذا يَقُرُّ، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:54] .
فيظن أنك قاعد مرتاح، و (100%) ، وهات يا عصير، وهات يا كباب، وهات يا كفتة، وما إليه، و (100%) .
وأول ما تقول له: أنا آسف لأني مشغول، يغضب منك، وأنت الآن أذناك مثل هذا، ودماغك سينفجر؛ لأنك واضع السماعة على أذنيك، مما يسبب لك الصداع، وأول ما تحاول أن تعتذر، أو تكون متعبًا؛ لأن ثمة مشاكل تغير قلبك حتى أحيانًا يشعر المرء أنه بحاجة إلى أن يستقيء، أن يتقيأ من المشكلة التي يسمعها، فأنزل وعندي شيء من الاكتئاب، فأنزل والمفروض أن ألقى إخواني بالابتسامة، وكذا؛ لكن لا.
عندي تعب، فلا أريد أن أتكلم، مواهبي ذهبت، لأن الفتوى والكلام كثر حتى مللت من الكلام وكلَّ ذهني وأصابني الحزن والهم، هذا يسألك في سؤال يقول لك: مسألة مهمة جدًا جدًا ولا بد هذا الوقت، طيب قُل.
الجماعة الثانية: أناس يسألون، ويعتبرون أسألتهم مهمة جدًا جدًا، ولا يمكن أن تتركها، ويظن أحدهم أنه لو أخر السؤال أسبوعًا أو يومين أنه سيموت.