فلابد للرجل -وإن كان سيدًا مطاعًا أو ملكًا متوجًا- أن يداري رعيته والمداراة من خلق المسلم الحاذق، وكم من مشاكل تحصل في البيوت بسبب أن الرجل لا يداري! مع أنه يمكن أن تمر هذه المشاكل بسلام لو أن الرجل تغافل قليلًا، وقد أوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا التغافل فقال: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته ظل على عوجه، فاقبلوهن على عوج) .
أي: أن المرأة فيها عوج، والمطلوب من الرجل أن يميل مع هذا العوج ولا يظل مستقيمًا دائمًا، وهذا معناه أن الرجل ينزل من مكان الرجولة إلى مستوى المرأة، والرسول عليه الصلاة والسلام أفضل من مشى على الأرض بقدميه، وأعبد من عبد لله عز وجل، ما نقص من هذه المكانة العظيمة شيئًا لما قال للصحابة يومًا: (تقدموا، ثم قال لـ عائشة: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقته، قالت: فتركني حتى نسيت، وحملت اللحم -أي: صارت سمينة- وفي غزوة من الغزوات قال لهم: تقدموا، ثم قال لها: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقني، فجعل يضحك، ويقول: هذه بتلك) ، فهذا الفعل ما نقص من قدره صلى الله عليه وسلم؛ بل زاد فيه.
فأنت إذا أردت أن ترفع مستوى المرأة حتى تصير مثلك؛ فكأنك تريد رجلًا آخر في البيت، وهذا لا يصلح؛ لأنك لا تستطيع أن تعيش مع رجل آخر، والمرأة لو كان فيها جدية وطبيعتها مثل الرجال فلن تستطيع أن تعيش معها أبدًا، فاللازم أنك تكون على مستوى المرأة، وتنزل من مكان الرجل إلى مستوى المرأة، وهذا النزول اسمه: المداراة، فمثلًا: رجل من طبع امرأته أنها لا تكاد ترضى، بل دائمًا تصفه بأنه لا يفهم، ولا يعرف شيئًا، والناس كلهم يخدعونه، فذهب واشترى حذاء مثلًا، والبائع أكرمه فعلًا.
فتسأله: بكم اشتريته؟ فيقول: بأربعين جنيهًا، فتقول: لقد خدعك لو كنت أنا الذي أشتريه لاشتريته بعشرين جنيهًا فقط، فتكدر على الرجل هذه الهدية، بدلًا من أن تقول له: الله يبارك فيك، الله يحفظك، الله يوسع عليك، ونحن دائمًا نتعبك مع أنها لن تخسر شيئًا إذا قالت هذا الكلام.
والرجل إذا ذهب واشترى شيئًا وهو يعلم أن امرأته ستظل تقول له: لقد خدعوك، فإنه يتخلص ويقول لها: هذا هدية، وينهي الأمر بدلًا من أن يكدر حاله، فإذا كنت تعرف أن هذا الخلق موجود في المرأة، فلا داعي لأن تكدر الحياة؛ بل لا بد من المداراة؛ إذ هي خلق المسلم الحاذق، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يداري، وقد علمنا ذلك.
أما دليل المداراة: فهو حديث في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (بئس أخو العشيرة) ، فلما دخل الرجل، ألا الرسول عليه الصلاة والسلام له الكلام، واستقبله استقبالًا حافلًا، وأخذ الرجل حاجته ومضى، وعائشة رضي الله عنها ترى وتسمع الموقف، فقد قال له أولًا: (بئس أخو العشيرة) ، وهذا ذم له، والآن يلين له الكلام، ويفرش له العباءة، فقالت: (يا رسول الله! قلت ما قلت وفعلت ما فعلت!) فقال عليه الصلاة والسلام: (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من يتقى لفحشه) ، أي: الذي تحترمه لأنه قليل الأدب، وتحترمه لأن لسانه شديد، فهذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة.
فهذا الحديث أصل في المداراة، وهناك فرق واضح جدًا بينها وبين النفاق.
فهذه المرأة تمدح زوجها وتقول: (إذا دخل فهد) ، فوصفته بالغفلة؛ لأن الفهد موصوف بالغفلة وكثرة النوم.
ثم أردفت تقول: ولا تظنوا أنه مغفل في وسط الرجال؛ بل (إذا خرج أسد) أي: كالأسد، فوصفته بأنه يتغافل عما يكون في البيت، لكنه إذا خرج فهو رجل في وسط الرجال.