نحن نفهم من هذا أن طريق الدعوة طويل ويحتاج إلى صبر، وكل المصائب التي وقعنا فيها منذ القديم سببها العجلة، فالمسألة تحتاج إلى صبر خمسين سنة، الجيل المفرط الخائن يموت أو يحال إلى التقاعد، والجيل الواعد يملك، المسالة مسألة إحلال وإزالة، يكفي أن هذه الصحوة ليست من نتاجهم، فما أخذت الالتزام لا من البيت ولا من المدرسة ولا من الشارع، نحن أمة وجودنا على الأرض أحياء آية من آيات الله إذ ليس عندنا جهاز مناعة، ومعروف أن جسم الإنسان إذا أصيب الجهاز المناعي عنده يموت بأقل مرض، وهو مرض الإيدز، هذه الأمة جهازها المناعي ضعيف جدًا جدًا، ومع ذلك انظر الأمراض والضربات في كل لحظة ومع ذلك لا زالت حية.
إذًا: هذه الصحوة ليست من نتاجهم، إنما أرادها الله عز وجل للتمكين، وهو المتفضل على هذه الأمة بهذا الجيل، وإن كان هذا الجيل ليس أهلًا أن يمكن؛ لأنه تربية الجيل الذي فرط، فيه خبث! ما زال نقلوا وورثوا الضعف إليه مثل ما ورثوا الماء، لكن ولدك سيكون خيرًا منك إن شاء الله؛ لأنك أبوه.
إذًا: المسألة مسألة وقت، فأنت مثلًا عندما تكون بجانب جرعة ماء، وهذه الجرعة ليس فيها قطرة ماء، ما الذي يحصل؟ ترى القش والريش والحطب ينزل، وإذا بالجيف تمر عليك، ما الذي يحصل؟ جيف تصير بجانبك من الأرق، صحيح أنت عطشان الآن لكن اصبر؛ لأن معنى أن الجيف تمشي أي: أن الماء وصل، وهو الذي دفعها، فاصبر قليلًا، حتى تمر الجيف كلها فيأتي الماء الصحيح، فهي مسألة وقت فقط لا غير، والوقت يحتاج إلى صبر، لأن العجلة خسرتنا كثيرًا، الذي ينظر إلى الصعيد يبكي، الرحلة في الصعيد تبكي، النقاب في الصعيد لا يوجد، الصعيد الرجال، الذين كنا لما نقول: النقاب يعني المفروض أن الالتزام بالنقاب، الالتزام واللحى خاص بالصعيد.
اذهب مصر تنظر إلى المحنة وحجم المحنة، كل هذا سببه العجلة.
فمعنى أن المسألة تحتاج إلى وقت أي تحتاج إلى صبر، وإعداد الكوادر العلمية لسد هذا النقص يحتاج إلى صبر، لكن لابد أن يكون هناك جدية في العمل، وطريق إعداد الكوادر العلمية طريق طويل، لكن ينبغي أن تتنبه الجماهير إلى هذا النقص والعجز الموجود في الكوادر العلمية.
هناك عالم اسمه بدر الدين الزركشي، رأت فيه أسرةٌ تتمذهب بالمذهب الشافعي مخايل النجابة والذكاء، فعرضت عليه أن تزوجه وتبني له دارًا، وتعطيه راتبًا بشرط أن يتفرغ لنصرة مذهب الإمام الشافعي وتصنيفه، وقد كان رحمه الله! أفلا نكون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأسرة الناصرة للمذهب الشافعي؟ أنت إذا كان لك مال، اذهب إلى عالم أو رجل موثوق فيه ببلدك أو بحيك، وقل له: رشح لي طالبًا أو اثنين أو ثلاثة من طلاب العلم أنفق عليهم، ويجلسون في البيت، وأوفر له المراجع الأساسية، فما من رجل يهتدي على يديه إلا وأنت قسيمه في الأجر، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الدال على الخير كفاعله) هذه وظيفتك! أنت رجل تاجر صحيح، لكن وظفت مالك لدين الله عز وجل، لأن تنفق على الفقير أحيانًا، وأنت لا تراقبه، فقد يستعين بمالك على معصية الله عز وجل، فأنت عندما تعطيه المال ولا تراقبه، ولا ترى مخالفات، لا تستثمر مالك في الناحية الدعوية المفروضة، أنا رجل أعطي أي رجل مالًا فيجب علي أن أتعاهده، إذا وجدته لا يصلي أقل له: يا أخي صل.
أولادي لا يصلون آمرهم بالصلاة، إذا كان هذا الرجل محتاجًا سيستجيب لك، وبهذا تكون أنت استفدت مرتين.
وفي شرح أصول السنة لللالكائي أن بعض العلماء -ولعله ربيعة الرأي - دخل عليه وهو يبكي: قالوا: ما يبكيك؟ قال: استفتي من لا علم عنده، وهذا أول الخلاص كما ذكرت؛ فأصبح الآن إيجاد طلاب العلم ضرورة.