فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 1719

الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُوْلُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيْ السَّبِيْلَ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ولعل سائلًا أن يقول: لماذا يجعل الله لمن قرأ آية الكرسي حارسًا؟ فنقول: هناك قول يقول: (إن الجزاء من جنس العمل) ، وحتى تعلم لطف الله تبارك وتعالى بك، فانظر في هذا الحديث وتأمل: لِمَ يجعل الله عليك حارسًا؛ لأنك وأنت مستيقظ تلهج بذكر الله تعالى، فهذا جُنَّةٌ لك من الشيطان، فإن هجم عليك عدوك رددته بسلاحك القوي -الذكر-؛ لكن إن نمتَ فلا تستطيع أن تتنبه لعداوة معتدٍ، فمن رحمة الله أن ينصب عليك وأنت نائم حارسًا؛ لأنك ما غفلت عنه وأنت مستيقظ، فيرحمك وأنت نائم، حتى لا ينزل الشيطان عليك، والذين ينامون يستيقظ أحدهم مثلًا وهو مشلول، أو أنه ينام صحيحًا معافىً فيستيقظ وبه علةٌ أو مس، ما ذاك إلا لأنه ترك سلاحَه ونام وعدوُّه لا ينام.

فالله تبارك وتعالى من لطفه بك أنك إن ذكرته وأنت مستيقظ ذَكَرَك وأنت نائم، ومَنَعَك من عدوَّك.

هذا فائدة الأذكار: أن يجعل عليك حارسًا ما دمت معه وأنت مستيقظ.

وقصة الصحابي الجليل عاصم بن ثابت الأنصاري الذي قُتِل في موقعة القراء -ماء الرجيع- مشهورة، عندما رفض وضع السلاح ووضع يده في يد مشرك فقتلوه، وكان عاصم بن ثابت قَتَل عظيمًا منهم في الجاهلية، وفي الحرب الدائرة بين الإسلام والكفر بمكة، فأرادوا أن يقطعوا رأسه ويسيرون به في القبائل، ليزيلوا المعرة التي حدثت بقتل عاصم بن ثابت لعظيمهم، فلما أرادوا أن يقطعوا رأسه أرسل الله عليه الدَّبْر -أي: ذكران النحل- فجأة وجدوا نحلًا عظيمًا حول الجثة ولم يستطيعوا أن يصلوا إليه، قالوا: نقطع رأسه ليلًا، فإن النحل يرجع إلى بيوته ليلًا.

قال أحد الصحابة: فلما جاء الليل رأيت جثة عاصم ترتفع بين السماء والأرض.

وقد علق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على هذه الواقعة، فقال: إن الله ليحفظ عبده المؤمن، عاصم بن ثابت أبى أن يمس مشركًا وهو حي، فيأبى الله أن يمسه مشركٌ وهو ميت.

إذا كان وهو حي أبى أن يمس مشركًا فجناب الله أقوى وحفظه لعبده أتم، فيأبى الله أن يمسه مشرك بعدما مات، والجزاء من جنس العمل.

فأدم ذكر الله عز وجل وأنت حي مستيقظ، يذكرك وأنت نائمٌ أو ميت.

وإذا كنا لا نذكر الله في حياتنا! فمتى سنتذكره؟! وأنت الآن خيرٌ من أهل القبور، فأهل القبور ماتوا، فمنهم من أُخِذ فجأة، ومنهم العاصي الذي ما استطاع أن يتدارك نفسه، ومنهم المسوِّف، الذي يقول: أتوب اليوم أو أتوب غدًا، فأنت الآن حي، تستطيع أن ترجع وتذكر ربك في كل سكنةٍ ونفس وحركة، فتدارك ما فاتك.

فالتسويف شر ما يلقاه المسلم؛ أتوب اليوم، أتوب غدًا، أو أفعل هذه وأتوب من أول الأسبوع، أو أصلي غدًا، وما يدريك؟! لعلك غدًا تكون من أهل القبور، كم من أناسٍ خططوا لأعوامٍ قادمة، وقد سقطت ورقتهم، وأذن الله عز وجل بقبض أرواحهم، وهم يخططون غدًا نفعل كذا وكذا، وبعد غدٍ يأتينا مال من كذا، فنرفع البنيان، ونسكِّن لا.

اترك هذه العمارة؛ لأن اليوم القادم لا تدري ما يكون فيه، قد يقضي الله أنك ميت، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (موت الفجأة أخْذَةُ أسف) وبعض الناس يرى أن موت الفجأة من حسن الخاتمة، ويدعو الله أن يموت هذه الميتة! مع أن هذه الميتة شر، فالنبي يقول: (موت الفجأة أخْذَةُ أَسف) إذا كان له مال: لا يستطيع أن يقول: لي عند فلان مال، وإذا كان عليه دين لا يستطيع أن يقول: عليَّ دين، وإذا كان عاصٍ فليس عنده فرصة للرجوع، وإذا كان قد سرق أشياء، فليس عنده فرصة أن يردها إلى أصحابها، يموت ولا يعرف عنه أحدٌ شيئًا.

فالمرض نعمة من الله تبارك وتعالى؛ لأنها فرصة، ولا سيما الذي مرض مرضًا شديدًا، وظن أنه سيموت في ذلك المرض، فيتوب ويرعوي، ويأتي بالذين ظلمهم فيستسمحهم، بخلاف الذي يموت فجأة.

فذكرك لله تبارك وتعالى واجب، وخيرٌ من إنفاق الذهب والفضة.

وفي الحديث الصحيح: (أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن أرضى عملٍ يعمله قبل أن يموت، فقال له عليه الصلاة والسلام: أن تموت ولسانك رطبٌ بذكر الله عز وجل) .

انظر إلى لفظ الحديث، فإن الألفاظ قوالب المعاني: أن تموت ولسانك رطبٌ، والرطوبة: ضد اليبوسة.

فكما أن الماء هو السبب في نماء كل شيء حي، فذكر الله تبارك وتعالى هو حياة القلوب، قال عز وجل: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:124] ، وهذا الضَّنْك تستشعره في اليبوسة التي هي ضد الرطوبة، فكل رجلٍ ذاكر لله عز وجل عنده من الصفاء القلبي ما عبر عنه بعض التابعين قديمًا، فقال: لو عَلِم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالَدُونا عليها بالسيوف.

فأنت أسعد وأهنأ من ملوك الأرض، لأنه يمشي في حراسة، ولا يستطيع أن يمشي في الشارع آمنًا على نفسه مستمتعًا كما تمشي أنت، إذًا: لتوارى وزال منصبه، وشعر بكآبة وتعاسة لا حد لها، هذا جزء من الضنك المفروض على هؤلاء؛ لأنهم من أبعد الناس عن ذكر الله عز وجل، ومن ترك هذا الذكر مآله الضَّنْك، هذا في الدنيا،: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:124 - 126] ، فالجزاء من جنس العمل: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة:67] .

والله تعالى يقول: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] .

قَدِّم لنفسك: إن أردتَ أن تذكر عند الله عز وجل، فلا تنسَه، أما أن تنساه وتريد أن يذكرك فهيهات! هيهات! إذا عاملت الناس بالود عاملوك بالود، ولا تنتظر أن تجفوهم، فيودوك.

ومِن مثل هذا المعنى: نفهم لِمَ يتفلت القرآن؟ خذ هذا المعنى واربطه بهذا السؤال.

رجلٌ حفظ القرآن لكنه لا يداوم على مراجعته والعناية به، فينساه بطبيعة الحال؛ لأن القرآن عزيز، ولا يكون القرآن عند رجلٍ يهمله وينساه أبدًا، وليس من إعجاز الكتاب أن تهمله وألاَّ تقرأه، ثم تطمع أن يظل في قلبك.

فاعلم: أن أرضى عمل تلقى به الله أن تموت ولسانك رطبٌ بذكره عز وجل، ولكن المسلمين اليوم غافلون عن الأذكار، مع سهولتها ويُسرها وسماحتها وجمالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت