إن طالب العلم النبيه لا يبدأ بالمناظرات في بداية حياته العلمية، فلا تناظر مناظرة مكابر مجادل، لكن ناظر مناظرة مستفيد.
قال أبو حاتم الرازي: كنت مع أبي زرعة ومحمد بن مسلم وكنا جماعة، فقلت لهم: من أغرب عليَّ حديثًا لـ مالك أعطيته كذا وكذا، والحديث الغروب الغريب الشاذ وكان علماء الحديث يحفظونه للمذاكرة، فيقول: كم تحفظ حديثًا غريبًا لـ مالك؟ فيقول الآخر: أحفظ ثلاثين حديثًا، وهو يعتقد أنه أحفظ رجل فيهم، فيفاجأ أن صاحبه هذا يحفظ مائة حديث، فيشعر باحتقار لنفسه.
هذه هي المناظرة الجميلة.
وأبو نعيم الفضل بن دكين -أحد الآخذين عن الإمام الكبير العلم مسعر بن كدام - قال وهم في جنازة مسعر: (اليوم تفدون إلي وتأخذون مني حديث مسعر،) فجاءه محمد بن بشر، فقال: كم تحفظ عن مسعر؟ قال أبو نعيم فقلت: أحفظ كذا وكذا، فقال لي: أتحفظ كذا؟ قلت: لا.
وكذا؟ قلت: لا.
قال: وكذا؟ قلت: لا، قال: حتى جاءني بسبعين حديثًا ما سمعتها قط، فقمت مستخزيًا.
فلا تحتقر أحدًا؛ لأنك لا تدري فقد يكون غيرك أعلم منك وأورع منك؛ بل لو ظننت أنك أقل خلق الله عز وجل لكان خيرًا لك فلا توجه الاتهامات، فسبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو! إن الله وزّع الفضل على الخلق، ولم يجعل العلم محتكرًا في أقوام؛ بل جعله مشتركًا مقسومًا بين عباده، يفتح للآخر ما أغلقه عن المتقدم، ويحييه بقول تالٍ يعتمد على ماضٍ، والتالي ليس كالماضي في العلم، بل السلف أعظم علمًا جملةً وتفصيلًا، وليس معنى أنني انتقدت الإمام البخاري في جزئية أنني فقته، وإذا فقته في جزئية، فقد فاقني في مائة ألف، وليس معنى أن الخضر ادخر الله له ثلاث مسائل أنه أفضل من موسى لا والله فليس بأفضل منه، بل قد يكون عند المفضول ما ليس عند الفاضل، ولا يقتضي هذا أن يكون المفضول أعظم من الفاضل؛ لأن الفاضل له أشياء كثيرة جدًا يفوق المفضول فيها.
فالإمام أبو حاتم الرازي يقول: من أغرب علي حديثًا لـ مالك فله كذا وكذا.
قال: فاجتهدوا أن يردوا علي فلم يستطيعوا، ثم عقب أبو حاتم قائلًا: ووالله ما أردت إلا أن أستفيد.
أي: هو تحداهم لكي يخرج ما عندهم؛ لأنه يريد أن يستفيد.
ورحم الله ابن حبان حين قال: قال الشافعي ثلاث كلمات لم يتفوه بها أحد قبله: (وددت أن هذا العلم ينتشر ولا ينسب إلي) تجريدًا للإخلاص، وقال: (ما ناظرت أحدًا على الغلبة، بل ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ، بل رجوت أن يظهر الله الحق على لسانه) .
لأن المقصود تحرير الحق، ولا يهم أن يجري على لساني أو يجري على لسانك، المهم أن يظهر الحق.
فكون الإنسان يذهب ليناظر وهو حريص على أن يَغلب، لن يستفيد بحق أبدًا، وهذا الفعل ضد الحرص النافع.