إن وثائق النقل لتتضافر، وإن براهين الإثبات لتتواتر على أن هذا الكتاب عزيز: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42] كتاب محفوظ، لم ترق إليه شبهة، ولم يختلط به كلام بشر، ما شانه نقص، ولا شابته زيادة، كتاب خاص لمحمد، ولأتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لم يقع لصاحب رسالة قبله، أن أقام بكتابه دولةً سارت في حياته مسيرتها نحو المشارق والمغارب، وبلغت من بعده دعوتها ما بلغ الليل والنهار: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص:49] .
كتاب كريم، أودع الله قوته في ذاته، حاول الأعداء قديمًا وحديثًا، عربٌ جاهليون، وغربٌ مستشرقون، وزنادقةٌ حاقدون، حاولوا جميعًا العبث به، والتشويش في صدقه، فأجلبوا وتنادوا: {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26] .
شككوا في تنزله، وطعنوا في جمعه وتدوينه، ونالوا من قراءاته وحروفه، ولكنها محاولات هزيلة، رجعوا على أعقابهم خاسئين، استمعوا إلى القرآن، وهو يسجل هذه الدعاوى المخزية في أسلافهم وأخلافهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:4 - 5] .
وقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل:103] وقالوا: {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر:2] وقالوا: {مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [القصص:36] ولما عجزوا واندحروا، رضوا لأنفسهم بالدنية والنقيصة، فقالوا: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة:88] {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت:5] .