يقول ابن الأثير: فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الحديث، وعظم الأمانة، وكرم الأخلاق، أرسلت إليه؛ ليخرج في مالها إلى الشام تاجرًا لتعطيه أفضل ما كان يعطيه غيره، ومعه غلامها ميسرة، وقبل محمد صلى الله عليه وسلم ذلك، ورحل بالتجارة وعاد رابحًا موفورًا، وسرت بالربح؛ ولكن إعجابها بالرجل كان أعمق.
إن امرأة بهذه المنزلة من النسب والحسب والعقل والمال؛ لا بد أن تكون مطمعًا للسادات من رجال قريش؛ ولكنها كانت بوافر عقلها، وثاقب نظرها، لا يعجبها في كثير من الرجال أن يكونوا طلاب مال وليسوا طلاب أنفس.
لقد أدركت أن أبصارهم تمتد إليها بغية الإفادة من ثرائها، ولعلهم يريدون أن يجعلوا من الزواج سلمًا ومطمعًا؛ ولكنها عندما عرفت محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجدت فيه ضربًا من الرجال آخر.
وجدت رجلًا لا يستهويه مال ولا تغنيه حاجة، لقد رأت رجلًا تقف كرامته شامخة موقف النبل والتعفف، فما تطلع إلى مالها، ولا إلى جمالها، ولا إلى منزلتها ونسبها.
لقد أدى الأمين ما عنده من مال التجارة وربحها ثم انصرف راضيًا مرضيًا، لقد وجدت خديجة في محمد بن عبد الله طلبتها فحدثت بما في نفسها إلى صديقة من صديقاتها، ثم كانت الخطبة، وكان العرض، وكان القبول.
تروي كتب السير أن عمه أبا طالب قال في خطبة النكاح: إن محمدًا لا يوزن بأحد إلا رجح به، فإن كان في المال قل فالمال غبنٌ زائل، ومحمد لقد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من ماله كذا وكذا، قال الراوي: ثم تكلم ورقة بن نوفل، فقال مجيبًا أبا طالب: إنكم أهل لذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس ذخركم وشرفكم.