فهرس الكتاب

الصفحة 840 من 918

يقول تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:22 - 24] .

آيات عجيبة في تجسيد كيفية الاستجابة، ومنهم الذين لا يستجيبون {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22] .

وقد جاء إليَّ سؤال لطيف، قال: الله عز وجل في الذين كفروا: {الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22] ومعلوم أن الأصم والأبكم ليس مكلفًا، فكيف قال هنا: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22] ؟

الموضوع -فعلًا- يحتاج إلى وقفة: فإن الصم البكم في الآية ليس معنى ذلك أنه متعطل السمع، أو أنه أبكم بمعنى لا يستطيع أن يتكلم، ولكن المعنى أن عنده آلة سمعٍ، فلم يستعملها، ولم يوظفها في الحق، وعنده عقل، ولم يستعمله، ولهذا قال الله عز وجل في الذين كفروا: {وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [البقرة:170] فما معنى أن الكفار لا يعقلون؟

القضية خطيرة ودقيقة ومهمة في الكفار وفي العصاة، وقد يقول قائل -كما قلنا قبل قليل-: الكفار معهم عقول وعبقريات واكتشافات واختراعات، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه باكتشافات مدنية، واكتشافات مادية، وهذا حق، ولا ينكر، ولا يُلغى، بل لو كانوا لا يعقلون لما كانوا مكلفين أصلًا؛ لأن المجنون لا يكلف، والإنسان الذي فقد آلة لا يكلف بأن يؤدي شيئًا بهذه الآلة وهو فاقدها، بل حتى الإنسان لو كان مقطوع اليد وأراد أن يتوضأ فلا يلزمه أن يغسل كتفه أو جنبه ما دام أن اليد مقطوعة إلى المرفق، انتهى المفروض عليه، فكذلك إذا كان معطل الحواس، فليس عليه تكليف، لكن الله عز وجل قال في الكفار: {لا يَعْقِلُونَ} [المائدة:103] أي: أن عندهم آلة العقل، لكن لم يستعملوها في الاستعمال الصحيح.

ولهذا لو أن إنسانًا يمشي وداس رِجل شخصٍ ما فسوف يقال له: ألا ترى؟! لأنه لو كان يرى لما داس، إلا إذا كان متعمدًا، بل حتى حادث السيارة، والأشياء الأخرى، فالإنسان حينما يخطئ في تعطيل حاسته سوف تتعطل، مع أن هناك تعطيلًا متعمدًا، والإنسان محاسب عليه، ولهذا قال الله عز وجل في الكفار: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179] ويقول في آية أخرى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:43 - 44] .

إذًا: ليست القضية أنه ليس عنده عقل، ولا سمع، القضية فيها أشياء أخرى، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43] وفي مكان آخر تكلم عن الاستجابة، فقال: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت