وذلك انهم عزموا على ان يجمعوا اهاليهم وابناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملك النصارى لهم ثم يخرجوا الى عدوهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم واجمعوا على دفع البلد والخروج منه بسلام فكان ذلك وتفرقوا في بلاد المسلمين
ومنهم من استهواه حب الوطن فدعاه الى الرجوع والسكنى بينهم بعد أمان كتب لهم في ذلك بشروط اشترطوها والله غالب على أمره سبحانه جلت قدرته ونفذت في البرية مشيئته
وليست له عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر الا مجتازا وهو يجد ندوحة في بلاد المسلمين لمشقات وأهوال يعانيها في بلادهم منها الذلة والمسكنة الذمية ومنها سماع ما يفجع الافئدة من ذكر من قدس الله ذكره وأعلى خطره لا سيما من أراذلهم واسافلهم ومنها عدم الطهارة والتصرف بين الخنازير وجميع المحرمات الى غير ذلك مما لا ينحصر ذكره ولا تعداده
فالحذر الحذر من دخول بلادهم والله تعالى المسئول حسن الاقالة والمغفرة من هذه الخطيئة التي زلت فيها القدم ولم تتداركها الا بعد موافقة الندم فهو سبحانه ولى ذلك لا رب غيره
ومن الفجائع التي يعاينها من حل بلادهم اسرى المسلمين يرسفون في القيود ويصرفون في الخدمة الشاقة تصريف العبيد والاسيرات المسلمات كذلك في اسوقهن خلاخيل الحديد فتنفطر لهم الافئدة ولا يغنى الاشفاق عنهم شيئا
ومن جميل صنع الله تعالى لأسرى المغاربة بهذه البلاد الشامية الافرنجية ان كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها انما يعينها في افتكاك المغاربة خاصة لبعدهم عن بلادهم وانهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد الله عز وجل فهم الغرباء المنقطعون عن بلادهم فملوك اهل هذه الجهات من المسلمين والخواتين من النساء واهل اليسار والثراء إنما ينفقون اموالهم في هذه السبيل
وقد كان نور الدين رحمه الله نذر في مرضة اصابته تفريق اثني عشر الف دينار في فداء اسرى من المغاربة فلما استبل من مرضه ارسل في فدائهم فسيق فيهم نفر ليسوا من المغاربة وكانوا من حماة من جملة عمالته فأمر بصرفهم واخراج عوض منهم من المغاربة وقال هؤلاء يفتكهم اهلوهم وجيرانهم والمغاربة غرباء لا اهل لهم فانظر الى لطيف صنع الله تعالى لهذا الصنف المغربي
وقيض الله لهم بدمشق رجلين من مياسر التجار وكبرائهم وأغنيائهم المنغمسين في الثراء احدهما يعرف بنصر بن قوام