فهرس الكتاب
{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) } أي: لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به، وليس فيها تعرض للدفع (1) ، وقيل: لئن أردت قتلي لم أدفعك عن نفسي.
الحسن ومجاهد: لأن الانتصار كان يومئذ ممنوعًا (2) .
{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) } أي: ترجع إلى الله {بِإِثْمِي} : بعقاب قتلي {وَإِثْمِكَ} الذي خرجت به من المتقين.
وقيل: أختار لك ما اخترته لنفسك.
والإثم في الحقيقة: استحقاق العقاب (3) ، وأَثِمَ الرجل: فعل ما يستحق به العقاب (4) ، وأثمه الله: عاقبه؛ وآثمه بالمد أيضًا، والآثام: العقاب.
{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} أي سهلت، وقيل، شجعت، وقيل: تابعته نفسه
(1) في (ب) : (تعرض للمنع) .
(2) أخرجه الطبري 8/ 329 عن مجاهد، وأورد الجصاص هذا الأثر عن الحسن ومجاهد في «أحكام القرآن» 2/ 401، وعزاه الماوردي 2/ 29، وابن الجوزي 2/ 335 لمجاهد والحسن أيضًا.
(3) لعل المؤلف قال هذا المعنى في الإثم خروجًا من الإجابة عن السؤال الذي طرحه بعض المفسرين هنا، وملخصه: كيف أراد الإثم لأخيه بالقتل والمعصية، وهو أمر لا يجوز؟ وهذا السؤال أورده الزمخشري في تفسيره، فقال:(فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه بالنار؟
قلت: كان ظالمًا، وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} وإذا «=جاز أن يريده الله، جاز أن يريده العبد، لأنه لا يريد إلا ما هو حسن)هكذا قال الزمخشري، فردّ عليه ابن المنير في =الانتصاف» فقال: (هذا من دسّه للمعتقد الفاسد في بيان كلامه، والفاسد من هذا اعتقاده أن في الكائنات ما ليس مرادًا لله تعالى، وتلك القبائح بجملتها فإنها على زعمه واقعة على خلاف المشيئة الربانية، وهذا هو الشرك الخفي، فإياك أن تحوم حول شركه والعياذ بالله، فأما إرادته لإثم أخيه وعقوبته، فمعناه: إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب، ولما لم يكن بدٌّ من إرادة أحد الأمرين: إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم، وكان غير مريد للأول، اضطر إلى الثاني، فلم يرد إذًا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل، ولم تكن حينئذ مشروعة، فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه) .
فكلام الزمخشري جارٍ على قاعدة القدرية النفاة من المعتزلة وغيرهم في أن المعاصي والقبائح خارجة عن مشيئة الله.
ولا بد من الإشارة هنا إلى مذهب ابن المنير - وهو أشعري: فالإرادة عندهم هي عين المحبة والرضا، فكل ما شاءه الله تعالى فقد أحبه ورضيه. أما أهل السنة والجماعة فقد كانوا وسطًا بين الفريقين، فإرادة الله تعالى عندهم قسمين: كونية قدرية، وهي المرادفة للمشيئة، وإرادة دينية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا.
وأما معنى الآية، فقال الشيخ السعدي: (إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلًا أو تقتلني؛ فإني أوثر أن تقتلني فتبوء بالوزرين) .
قال الألوسي: (وقيل: المراد بالإثم ما يلزمه ويترتب عليه من العقوبة، ولا يخفى أنه لا يتضح حينئذ تفريع قوله تعالى: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} على تلك الإرادة) .
انظر فيما سبق: «الكشاف» 1/ 625 ومعه حاشية ابن المنير، و «روح المعاني» للألوسي 6/ 114، و «تيسير الكريم الرحمن» للسعدي 1/ 414، و «المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف» للأستاذ صالح الغامدي 1/ 351.
(4) في (أ) : (ما يستحق به العقاب) .