وقد وردت في القرآن الكريم بطريقتين: فإما بورود فعل النداء تعبيرا عن الحال مع النبي، وذلك كقوله تعالى: ونادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ... [الصافات: 104] ، فهذا النداء لم يكن ضمن الرؤيا نفسها، بل حدث بالإلقاء الخفي إليه عليه السلام بدليل أنه كان إخبارا له عليه السلام بأنه قد صدق الرؤيا، وكقوله تعالى: وإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء: 10] ، أو باستخدام حرف النداء (يا) ، ويكون المنادى هو النبي المخاطب المتلقي للوحي، وكان ذلك لعدة أنبياء، كقوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى ... [مريم: 7] ، ويا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: 12] ، ويا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ [ص: 26] ، وقوله تعالى: .. يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف: 86] .
الصيغة الرابعة: الرؤيا في المنام:
والبحث يتعرض إليها هنا كطريقة من طرق الوحي المباشر بلا واسطة تمشيا مع من ذهب إلى ذلك. وقد قيل إن رؤيا الأنبياء وحي، واستدلوا على ذلك بجواب إسماعيل لأبيه حين أخبره أنه رأى في المنام أنه يذبحه «1» ، وقد ورد ذكر الرؤيا في القرآن، وأنها استخدمت طريقة للوحي النبوي منسوبة إلى عدة أنبياء وهم:
1 -إبراهيم عليه السلام: قال تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102] .
2 -يوسف عليه السلام: قال تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: 4] .
3 -الرسول محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم: وذلك كقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27] ، وسيكون لنا مع الرؤيا للرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وقفة في مبحث الوحي المحمدي، بوصفها من صور الوحي إليه صلّى اللَّه عليه وسلّم.
(1) البيهقي: الأسماء والصفات (ص 193) .