وباقتصاره على هذه الآراء فقط فإن الشيخ مصطفى عبد الرزاق قد أهمل رأيا مختلفا عنها يحمل العديد من عناصر الوحي المهمة وهو رأي ابن دريد في جمهرة اللغة، إذ قال: إن أصل الوحي: الكتابة في الحجر، ولعله فعل ذلك لبعده عن المقام الذي يدور عنه البحث.
كان للقرآن الكريم - كما لا يخفى - الفضل الكبير في إثراء اللغة العربية والتوسع بها إلى آفاق جديدة في التعبير والتصوير والابتكار لمعان ومفاهيم جديدة لم تكن البيئة العربية قد شهدتها من قبل، ومادة الوحي من الألفاظ التي أشرق عليها القرآن الكريم بأبعاد جديدة إضافة إلى ما جلاه من معانيها التي كانت متداولة عند الناطقين بها فكان لهذه الإشراقة أن رفلت العربية بأبعاد روحية سمت بها إلى معان شريفة راقية في التعبير.
فقد استوعب القرآن الكريم جميع التصريفات اللغوية لمادة الوحي وعبّر عن أغلبها بمعانيها المتداولة، وصبّها جميعا في قوالب جديدة ترابطت فيها المعاني المتعددة، أو انفصلت عن بعضها بعضا، كما ورد ذلك في آيات متعددة ستكون مدارا للبحث فيما سيأتي، فلما كان الإلقاء إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بواسطة جبريل أو قذفا في الروع أو رؤيا مما خفي على غيره صلّى اللَّه عليه وسلّم فقد عبّر سبحانه عن ذلك بالوحي «1» ، وهي معان لم يكن بعضها معروفا في العربية.
ويرجع ابن الأنباري سبب التسمية بالوحي فيما كان إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى أن الملك أسرّه عن الخلق، وخصّ به النبي المبعوث إليه «2» . ومن ثمّ أخذ لفظ الوحي يختص بالكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه «3» ، وليكون شاملا لضروب متعددة عبرت عنها الآية (51) من سورة الشورى في قوله تعالى: وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: 51] للإحاطة بها، إذ تبيّن أنواع التكليم الإلهي للبشر.
كما أن القرآن الكريم استخدم ألفاظا أخرى للتعبير عن المعنى نفسه في
(1) الراغب: المفردات (ص 515) .
(2) انظر الزبيدي: تاج العروس (10/ 385) .
(3) المفردات: (ص 515) .