وفي الديانات السماوية السابقة يمثل الوحي أهم أسس العقيدة والتشريع، واليهودية لا تختلف في هذا عن باقي الديانات، فقد عرف اليهود الوحي وكان يطلق عليه في العبرانية وكذلك في الآرامية لفظ: أوحي ( Aohy) وهم يعتقدون أن الوحي هو كلام يهوه (إليه اليهود) أوحي إلى أنبيائه، فكتبهم هي: كتب يهوه ( Gahvezehbaoth) «1» .
ومن يستعرض دين يهوه هذا، وما حمله العبريون عنه من مفاهيم، يجده في حقيقته (دينا بدائيا يتخذ للإله هيئة الإنسان، فهم يتصورون أن ليهوه شكلا جسميا، ومقرا للسكنى، وتدفعه العواطف الإنسانية من غيرة وغضب إلخ «2» .
وبإنعام النظر في الوحي اليهودي وتاريخه منذ نبوة موسى عليه السلام (القرن 13 ق. م) نجد: (أن اليهودية كدين سماوي لم تحافظ على نقائها، ولم تمتنع من استصحاب العقائد القديمة الموروثة) «3» .
فما هو وحي من السماء ألقي إلى موسى عليه السلام اختلط وضاع وسط ركام العقائد الموروثة، والتفسيرات والاجتهادات والتحريفات الكثيرة التي تعرضت لها التوراة بعد السبي إلى بابل، إذ كتبت من قبل الأحبار.
والبحث في طرق الوحي في اليهودية يظهر أن الكتب المقدسة فيها تشير إلى أن الوحي للأنبياء يتم: إما بالكلام، أو بالمظاهر الحسية، أو بالطريقتين معا «4» .
وهذا الكلام يكون بصوت يسمعه النبي، ولكنه يكون على أنواع:
1 -فمرة صوتا متخيلا، أي مجرد خيالات بحيث تكون مخيلة النبي مهيّأة حتى وهو في اليقظة على نحو يجعله يتخيّل أنه يسمع صوتا، أو يرى شيئا بوضوح «4» .
2 -وأخرى يكون فيها الصوت حقيقيا، كما أوحى اللَّه الشرائع اليهودية إلى موسى عليه السلام إذ أن موسى كان يسمع صوتا حقيقيا، ففي العهد القديم ( ... وفي اليوم السابع دعي موسى من وسط السحاب، وكان منظر مجد الرب كنار آكلة
(1) د. جواد علي: السيرة النبوية (ص 125) .
(2) محمد كمال إبراهيم جعفر: في الدين المقارن (ص 184) ، دار الكتب الجامعية - مصر 1970 م.
(3) المصدر السابق (ص 186) .
(4) سبينوزا باروك (1632 - 1677 م) رسالة في اللاهوت والسياسة (ص 126) ، ترجمة وتقديم د.
حسن حنفي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر - مصر 1971 م.