فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 276

ولا سبيل إليه باجتهاد الفكر وإعمال العقل وإنعام النظر، ولا وصول إليه بالترقي الروحي أو الأخلاقي، فما هو إلا أنه تعالى (اختص بالنبوة من شاء، وفي الوقت الذي شاء، حسب مشيئته وعلمه وحكمته) «1» .

ومن هنا يثبت انتفاء علم الغيب عن غيره تعالى إلا بتعليمه هو عز وجل وهذا الاختصاص فيمن يلقى إليه الغيب مرتبط إذن باستعداد فطري اختص به الأنبياء عليهم السلام يتمثل في العصمة، فهم (يجب أن يكونوا معصومين أي: لا يخطئون في تلقي الوحي من العالم العلوي، وفي إبقاء ما تعلموه وفي تبليغه .. ) «2» لأن اطلاعهم عليه خارج عن كل ما يدخله في إطار الكسب أو السعي، بل إن ذلك كله (من خصائص النبوة غير المكتسبة) «3» .

وهذا الاصطفاء لا يكون من أجل الاطلاع على ما يتضمنه الوحي من إلقاء لمعارف غيبية وحسب وإنما الأمر منوط بتوافر معنى الرسالة والإرسال فالآيات الكريمة تقصر طريق الاطّلاع على الغيب بالرسالات والتعاليم الموحاة إلى الأنبياء عليهم السلام بدلالة قوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ ...[الجن:

28]، ويؤكد ذلك أيضا قوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ .. [غافر: 15] فالآية تؤكد اقتصار إلقاء الوحي، وهو معنى الروح المراد هنا، على الرسالة وتعاليم الأنبياء عليهم السلام (من خلال شأنها المتمثل بالإنذار) «4» .

ثالثا - حكمته وغاياته:

يحمل الوحي بين ثنايا ما يلقي به من معارف، بوصفه ظاهرة خارقة لحدود عالمين مختلفين ورابطة بينهما، حكمة كبيرة تمثل أساسا من أسس العلاقة بين اللَّه سبحانه وعباده، فمعارف الوحي الملقاة إلى الأنبياء عليهم السلام لتبليغها إلى البشر تهدف إلى الإنذار والتبشير، وهؤلاء الأنبياء هم المنذرون المبشّرون، قال تعالى:

(1) حسن ضياء الدين عتر: نبوة محمد في القرآن (ص 206) ، دار النصر - حلب - سوريا ط 1، (1393 ه/ 1973 م) .

(2) الطباطبائي: القرآن في الإسلام (ص 106) .

(3) الوحي المحمدي (ص 181) .

(4) الطباطبائي: الميزان (17/ 318) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت