من أن قريشا كانوا إذا مر بهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقولون: غلام بني عبد المطّلب يكلّم من السماء، وإن قالوها هزءا واستخفافا.
يمثل القرآن الكريم المورد الأساس في دراسة الوحي بوصفه أهم وأدق نص موحى من اللَّه تعالى، فهو وثيقة مهمة في التعرف على الفهم الإسلامي للوحي وما يمثله، لذلك لا بدّ من استقصاء أبعاد هذا الفهم الإسلامي للوحي اعتمادا على ما فصّله المفسرون والعلماء من تعريفات استمدوها من القرآن الكريم.
والقرآن الكريم أكثر الكتب السماوية حديثا عن الوحي وطبيعته وبيان وسائله وأنواعه ومصدره ومتلقيه «1» .
فقد ورد ذكر الوحي بلفظه الصريح وبصيغه المتعددة في ثمانية وسبعين موضعا «2» ، يضاف إليها مواضع أخرى كثيرة وردت فيها الإشارة إلى الوحي بغير لفظه، من خلال مرادفاته أو معانيه. ويكاد المفسرون يتفقون في تعريفهم للوحي من حيث المفهوم الشرعي القرآني له، فالطبري أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310 ه/ 922 م) يفهم من الوحي أنه الإرسال الإلهي بالنبوة، ففي تناوله الآية الكريمة: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ .. [النساء: 163] الآية. يقول إن معناها: (إنا أرسلنا إليك يا محمد بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح وإلى سائر الأنبياء الذين سميتهم لك من بعده والذين لم أسمّهم لك) «3» .
ويوافقه القرطبي أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد الأنصاري (ت 567 ه/ 1171 م) في تعريف الوحي بالإرسال فيقول: (الإيحاء هنا - آية 44 سورة آل عمران: الإرسال إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك) «4» .
(1) الطباطبائي (محمد حسين) : القرآن في الإسلام (ص 76) ، ترجمة السيد أحمد الحسيني، دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت ط 1، (1393 ه/ 1973 م) .
(2) انظر محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (ص 746 - 747) ، (مادة وحي) دار الفكر - بيروت (1407 ه/ 1987 م) .
(3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (6/ 20) ، (و بهامشه تفسير: غرائب القرآن .. للقمي النيسابوري) دار المعرفة - بيروت - لبنان ط 3، (1398 ه/ 1978 م) .
(4) الجامع لأحكام القرآن (4/ 85) دار الفكر - بيروت ط 2 مصور عن طبعة سنة (1952 م) .