7 -اكتفى بعض المفسرين ببيان أن الحجاب في الآية إنما يرجع إلى الخلق (المكلّم) دون الخالق، مدفوعا بذلك إلى تنزيهه تعالى عن الجسميات «1» .
وما يميل إليه الباحث هنا أنه يمكن أن يراد بالحجاب، الحجاب عن رؤيته تعالى أو إدراكه بأية صورة حسية تؤدي إلى تجسيمه وتشبيهه بشيء من خلقه. وأما ما يسمعه المكلم من الكلام فيكون بفعله تعالى الكلام في جسم محتجب على المكلم فهو يسمع الكلام ولا يعرف محله على طريق التفصيل، فيقال: إنه كلم من وراء حجاب فهو تعالى لا يحجبه حجاب ولا يستر بستر مادي، ...
عن محمد بن زيد عن الإمام الرضا عليه السلام قال: ( ... احتجب بغير حجاب محجوب واستتر بغير ستر مستور عرف بغير رؤية ووصف بغير صورة) «2» .
تبين لنا مما سبق أن التكليم من وراء حجاب هو وحي خاص تميز عن مطلق الوحي للأنبياء عليهم السلام، أما من خص بهذه المرتبة من الوحي فإن الآيات الكريمة ظاهرة الدلالة عن اقتصارها على موسى عليه السلام. إذ لم يرد أي نص يدل على كون هذا التكليم بحدوده المبينة كان لأحد غيره، قال تعالى: ... وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا ... [النساء: 164] ، وقال تعالى: ولَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ... [الأعراف: 143] . ومما يدل على اختصاص موسى عليه السلام بهذا التكليم وقصره عليه النص الظاهر على اصطفائه للتكليم من بين الناس جميعا، لأن الاصطفاء اختيار من مجموع، قال تعالى: ... يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي ... [الأعراف: 144] .
والمفسرون جميعا متفقون على أن التكليم من وراء حجاب كان لموسى عليه السلام. إلا أن بعضهم يتعدى بهذه الخاصية إلى غيره وخصوصا الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، ..
روي عن الإمام علي الهادي عليه السلام أنه سئل عن الآية أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ فقال: كما كلّم اللَّه نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم وكما كلم موسى عليه السلام من النار «3» ، وإضافة إلى
(1) انظر البيهقي: الأسماء والصفات (ص 193) .
(2) الصدوق: التوحيد (ص 98) .
(3) تفسير القمي (2/ 279) .