أولا - نسبته إليه تعالى:
يتأكد لدينا من خلال البحث أن هذه النسبة ضرورة لا بديل آخر عنها، لأنه بلا نسبة الوحي بكل ما يمثّله ويحمله من خصائص إلى اللَّه تعالى فإننا لا نجد أية جهة أخرى يمكن أن تنهض صفاتها وتتلاءم إمكانياتها مع ما في الوحي من خرق لكل مستويات القدرة المحدودة، لأنه يستمدّ من قدرة مطلقة تتعالى على القدرات البشرية أو أية نسبة أخرى، فما يأتي به الوحي من معارف وأعمال لا يمكن أبدا تفسيره إلا بإثبات أن الوحي (كلام سماوي غير مادي ليس للحواس الظاهرية والعقل أن تصل إليه) «1» وذلك لأن نوع ما يأتي به الوحي من تلك المعارف والعلوم لا يعلم إلا من أربعة أوجه «2» :
إما بمشاهدة الحال، أو قراءة الكتب، أو تعليم بعض العباد، أو بوحي من اللَّه، وقد بطلت الأوجه الثلاثة الأولى بأنها لم تكن حاصلة فصحّ أنها بوحي إلهي، قال تعالى: ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: 82] .
ونمعن النظر في هذا الوحي فنجد فيه تميّزا عن كل ما يحيط بنا وبمعارفنا، إننا ننجذب فيه إلى حقيقة عميقة تخاطب فينا مكنونات وخفايا لا تسبر غورها إلّا قوة مطلعة على سرائرنا خارجة عن ذواتنا ومستويات عالمنا، قوة مهيمنة تحيط بأسرار الوجود كله.
لهذه المميزات فإن النبوات، والوحي أساسها، كانت في مختلف فترات انطلاقها موضعا للجدل والخلاف لأنها مثلت حدثا غير عادي وارتبطت بما وراء هذا
(1) الطباطبائي: القرآن في الإسلام (ص 89) .
(2) انظر الطوسي: التبيان (2/ 458) .